ذكري يناير بين مصر وأذربيجان

صور: ذكري يناير بين مصر وأذربيجان  / وجه النظر

بقلم : أحمد عبده طرابيك - يوجد الكثير من الأحداث والشواهد التاريخية المشتركة تجمع بين الشعبين في كل من مصر وأذربيجان ، فمصر صاحبة الحضارة الضاربة بجذورها في أعماق التاريخ ، استطاعت أن تصنع مجدا تاريخيا تتوارثه الأجيال عبر العصور ، وساهمت بقسط وافر في صناعة الحضارة الإنسانية ، واستطاع شعبها تحمل شدائد الدهر ونوائبه والخروج بعد كل محنة أكثر صموداً وتحدياً لكل من حاول النيل من هيبة مصر ومكانتها وعظمتها .

وجمهورية أذربيجان تلك الجمهورية التي تلتقي مع مصر في أن الدين الإسلامي الحنيف قد وصلها في عام واحد ، كما أن لها تاريخاً حضاريا لا يقل اهمية عن التاريخ المصري العريق ، فحضارة ألبان القوقاز خير شاهد علي مدي سوخ تلك البقعة من الأرض ومساهمتها في صناعة التاريخ الإنساني ، ولذلك فليس بالأمر الغريب أن تتشابه كثير من الأحداث التاريخية في كل من مصر وأذربيجان .

ترتبط ذاكرة المصريين في شهر يناير بثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 ، تلك الثورة التي استعادت فيها مصر حريتها وكرامتها رغم ما تعانيه في خطوات ثورتها اتلأولي من عثرات ، إلا أن شهر يناير يظل علامة فارقة في تاريخ مصر الحديث ، وكذلك فإن جمهورية أذربيجان الشقيقة ، يظل ذلك الشهر شاهداً علي مذبحة مروعة ، من أكثر الجرائم دموية وبشاعة في التاريخ الحديث ، ومرتبطا في ذاكرتهم بمدي المرارة التي تذوقها شعب أذربيجان من قوي البطش والعداون السوفيتي ، ليس لشئ ، سوي لمطالبته بالحرية والإستقلال ، فهكذا دائما يكون ثمن الحرية غاليا ، هي أرواح ودماء الشهداء الأوفياء لأوطانهم .

يعتبر 20 ينايررمزا لتاريخ وكفاح شعب أذربيجان من أجل الحرية والإستقلال وسلامة ووحدة أراضيه , ففي ذلك اليوم المأساوي قادت فرق القوات المسلحة للجيش السوفيتى معركة غاية في الهمجية والطغيان والبطش ضد الأعداد الغفيرة من شعب أذربيجان التى خرجت إلى شوارع وميادين العاصمة باكو احتجاجا على أعمال أرمينيا العدوانية ، التي جهرت بمزاعمها في أحقيتها بأراضي دولة مجاورة لها حدودها التي اعترفت بها كافة المنظمات الدولية ، وقد أدت الحماية والمساندة من قبل حكومة الإتحاد السوفيتي السابق ، إلى حدوث المأساة غير المسبوقة ضد شعب أذربيجان المسالم .

فى تلك الأيام شديدة القسوة قدم شعب أذربيجان كل ما يملك ، حياتهم وأموالهم وأبناءهم فداءً من أجل الدفاع عن وطنهم , من أجل الحرية والكرامة والعزة والمجد ، فقد ارتفع الضحايا الأبرياء إلى مصاف الشهداء ، واندحر المعتدين خاسئين تطاردهم الخيبة والعار التي سجلتهما مأساة 20 يناير التى تسببت فى قتل الأبرياء وتدمير المدينة المسالمة ، وانتصر الوطن الذي ارتوي بدماء الأبناء الأوفياء .

لقد كانت أوامر ميخائيل جورباتشوف باستخدام القوة ضد المدنيين الأبرياء محاولة يائسة لوقف انهيار النظام الشيوعي في أذربيجان ، وفي كافة أنحاء جمهوريات الإتحاد السوفيتي المنهار ، ولكن كان الشعب قد استيقظ وانتقض في وجه الكبت والاستبداد الشيوعي ، وأراد أن يعيش حياة حرة كريمة ، أو يموت ليعيش أبناءه حياة غير التي عاشها في ظل هذا الطغيان الذي هيمن علي أفكار وعقيدة شعب أذربيجان قبل أن يهيمن علي مقدراته وثرواته .

دافع " ميخائيل جورباتشوف " الذي كرمه العالم الغربي في نفس العام 1990 ومنحه جائزة نوبل للسلام ، تقديرا له علي أعماله الإجرامية في حق شعب مسلم ، دافع جورباتشوف عن قراراته العداونية الهمجية , بحجة صد الخطر الوشيك المزعوم الذي تشكله الأصولية الإسلامية في أذربيجان , واستغل بعض المسئولين الرسميين الآخرين التوتر بين أرمينيا وأذربيجان حول إقليم قراباغ الجبلية الأذربيجانية باعتبارها حجة لاحتلال البلاد ، وخلط الأوراق .

لكن التناقض بين القيادات السوفيتية في ذلك الوقت ، فضح حقيقة النوايا الخبيثة للعدوان الغاشم ، بعدما قال وزير الدفاع السوفيتي " ديمتري يازوف " ، بأن الهدف العملية العسكرية في أذربيجان هي حماية الحكومة الشيوعية في باكو ، ومنع التيار المطالب بالحرية والاستقلال من الفوز في الانتخابات التي كان من المقرر إجراؤها في شهر مارس عام 1990 .

وقد اعتبرت منظمة " هيومان رايتس واتش " في تقرير لها حول ذلك الحادث المأساوي ، الذي اختارت له عنوان " يناير الأسود في أذربيجان " إلي أنه يمكن اعتبار العقاب الذي ناله السكان المدنيون في باكو علي يد القوات السوفيتية بمثابة إنـــذارا للحـــركات القومية الأخري الطامحة للحرية والإستقلال ، ليس فقط في أذربيجان وحسب , بل في كافة جمهوريات الإتحاد السوفيتي .

لــم يحقــق العنف والبطش للقيادة السوفيتية ما أرادته , ولكن ظلت ذكري يناير الأسود منعطفاً هاما ، ونقطة فارقة في تاريخ أذربيجان الحديث , فقد بدد الجيش الأحمر آخر خيوط الأمل لدي الآذريين في امكانية إصلاح الاتحاد السوفيتي , وتسلح الشعب الآذري بإصرار لم يشهده من قبل , علي مواصلة مسيرة تحرره وإستقلاله .

رغم كل تلك الأعمال الوحشية , أصدر المجلس الأعلي لجمهورية أذربيجان بالإجماع وفي جلسة تاريخية عقدت في 18 أكتوبر 1991 ، القانون الدستوري حول استقلال جمهورية أذربيجان , وأعقب هذا القرار استفتاء وطني في29 ديسمبر1991, جاءت نتيجته موافقة شعب أذربيجان بالإجماع لتجديد وضع استقلال الدولة ، وإعادة الحرية المسلوبة طوال حقبة الحكم الشيوعية .

يتخذ شعب أذربيجان من ذلك اليوم ذكري للحرية والعزة والكرامة ، عازما علي مواصلة الكفاح من أجل تحرير كافة أراضيه من الاحتلال الأرميني ، وعودة أكثر من مليون مواطن مشرد يعيشون بعيدا عن ديارهم وأرضهم في ظروف معيشية قاسية تفرقت فيها الأسر والعائلات عن بعضها البعض ، يسعي شعب أذربيجان بكل عزم علي استعادة أرضه ، ومواصلة التقدم نحو مستقبل مزدهر لبلادهم .

هكذا تكون المحن والشدائد حافزا لمواصلة الكفاح والنضال ، وكما في مصر تأتي ذكري ثورة 25 يناير المجيدة ، لتعطي دفعة وحافزا لأبناء الشعب المصري العظيم علي مواصلة العمل والكفاح لإستكمال أهداف الثورة العظيمة ، تأتي أيضا ذكري يناير الأسود لتدفع بشعب أذربيجان للعمل من أجل إستكمال مشوار الكفاح وتحرير أرضهم من الإحتلال الأرميني ، فإذا كانت الدماء الطاهرة والأرواح الذكية غالية ، فتراب الوطن أغلي وأثمن ، ولذلك يتسابق ابناء الوطن من أجل التضحية فداء لحرية وكرامة وازدهار الوطن .

Follow us on Twitter @TRENDNewsAgency