الرقابة الدستورية العامل الأساسى فى إقامة دولة القانون

صور: الرقابة الدستورية العامل الأساسى فى إقامة دولة القانون / وجه النظر

بقلم : أحمد عبده طرابيك --- لا يمكن لأي دستور يتم وضعه أن ينال كل الرضا من جموع الشعب ، فما يمكن أن يحظي بقبول لدي البعض ، قد لا يمكن قبوله لدي البعض الآخر ، ولذلك فإن الدستور وإن علا شأنه ليست قيمته الحقيقية في بنوده ، بقدر ما تكمن قيمته في الرقابة الدستورية والقانونية علي تطبيق بنود ذلك الدستور ، وعدم تجاوز مواده الموضوعة ، ومدي المرونة التي يتمتع بها في إمكانية تعديل بعض مواده بما يتناسب مع المتغيرات الاجتماعية والتطورات التي يشهدها المجتمع .

فى الاحتفال الذى أقيم بمناسبة مرور عشرين عاما على إقرار دستور جمهورية أوزبكستان ، أشار الرئيس إسلام كريموف إلى أن جميع النجاحات والآفاق التى وصلت إليها البلاد عبر سنوات من التقدم والرقي ، والخطوات الهائلة فى تطورها ، تكشف بوضوح عن القوة الواهبة للحياة والقدرات التى يتمتع بها القانون الأساسي ( الدستور ) ، وعن المبادئ والقوانين والمعايير التى تجسد تفكيره المدروس .

القانون الرئيسى - هو الوثيقة الأساسية التى تجسد حقوق وحريات الإنسان ، وتمنحه فرصة التحكم فى مصيره ، واستغلال الموارد الطبيعية والاقتصادية والذهنية للبلاد ، وتوجيه كل تلك القدرات الهائلة نحو رفاهية وتقدم كافة فئات الشعب ، وهو يمثل عاملا لتدعيم السلم والتوافق بين القوميات ، ووحدة الأمة تحت راية الاستقلال ، وتحويلهم إلى شركاء فاعلين فى التغيرات الديمقراطية .

ان دور الدستور فى حياة الشعب وفى النجاحات التى حققتها أوزبكستان يعد دوراً لا يقدر بثمن ، وذلك يرجع لعدد من العوامل : -

أولا : فهو يحدد الهدف الاستراتيجى ، وذلك فى إقامة الدولة الإنسانية الديمقراطية الحقوقية ، وبناء المجتمع المدنى ، وينظم العلاقات الاجتماعية فى سبيل تحقيق ذلك الهدف .

ثانيا : يمثل الأساس لكافة القواعد التشريعية ، التى تصب نحو تجسيد النموذج الأوزبكى للتطور فى الحياة .

ثالثا : يحدد الدولة القومية ، أى السيادة وسلطة الشعب ، ومبدأ تقسيم السلطات إلى سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية ، وسيادة الدستور والقانون ، قاعدة الوضع القانونى لكل من : مجلس عالى ( البرلمان ) ، والرئيس ، ومجلس الوزراء ، والأجهزة المحلية للسلطة الحكومية ، وأجهزة السلطة القضائية وغيرها .

رابعا : يضمن تطوير شبكة واسعة من مؤسسات المجتمع المدنى ، التى تعكس مصالح مختلف الطبقات السكانية . وتمضى تنمية الحياة الاجتماعية فى البلاد فى ظل تعددية المؤسسات السياسية والمذاهب ووجهات النظر . ويحظر الدستور وضع أى أيديولوجيا باعتبارها أيديولوجيا الدولة .

خامسا : يبلور الأسس الديمقراطية للإدارة الحكومية .

الشعب هو المصدر الوحيد للسلطة الحكومية ، التى يشكلها مواطنو أوزبكستان بغض النظر عن القومية واللغة والديانة أوالعقيدة التى يتمتعون بها . وللجميع الحق فى الحقوق الديمقراطية والحريات على قدم المساواة . وتتشكل الإدارة الحكومية لصالح الشعب ومن ضمنها الأجهزة المفوضة طبقا للقانون الرئيسى .

ويشكل الدستور من أحد جوانبه قاعدة متينة على المدى الطويل ، ومن الجانب الآخر تحقيق كافة القرارات التى تم اتخاذها عبر سنوات تشكيل وتطوير أوزبكستان الحديثة . وهو يقوم بوظيفة القاعدة الحقوقية لنظام الإدارة الجديد للاقتصاد . كما يضمن حصانة الملكية الخاصة وكافة أشكال الملكية ، وتقوم الدولة على حمايتها . وكذلك يُلزم القانون الرئيسى الدولة بضمان حرية النشاط الاقتصادى والاستثمار . وقد جرى تطوير بنود ومبادئ الدستور فى القوانين التى تنظم علاقات السوق .

وعلى أساس الدستور تم تحقيق مجموعة من التدابير التنظيمية الحقوقية ، الرامية نحو التدعيم اللاحق للسلطة القضائية ، وضمان استقلال القضاء ، وتحويله إلى مؤسسة مستقلة أصيلة للدولة ، تضمن حماية حقوق وحريات الفرد .

وفى الحديث حول موقع الدستور فى الإصلاحات الواسعة المتحققة ، ينبغى إلقاء الضوء بصورة خاصة إلى ضرورة تطويره . وكما أشار رئيس أوزبكستان إسلام كريموف ، فإن الحياة لا تبقى فى مكانها ، بل هي فى تطور متصل وتضع أمامنا الجديد والجديد من المهام . وفى سبيل تحقيقها يجرى إدخال التعديلات المنفردة فى القانون الرئيسى ، وهى تصب نحو التحقيق المتواصل للمبدأ الدستورى الخاص بالفصل بين السلطات إلى تشريعية وتنفيذية وقضائية ، وإقامة الآلية الفعالة بينها للضوابط والتوازنات ، وتعزيز الصلاحيات ووظائف تحكم السلطة التشريعية وتمثيل الشعب فى البرلمان والمحليات ، وتحقيق التدابير الخاصة بتحرير النظام القضائى واستقلاليته . وعلى سبيل المثال ، ففى سبيل تحقيق مبدأ التعميق اللاحق للإصلاحات الديمقراطية وتشكيل المجتمع المدنى ، تم فى البلاد إقرار قانون حول " إدخال التعديلات والإضافات على مواد منفصلة فى دستور جمهورية أوزبكستان ( المواد 78 ، 80 ، 93 ، 96 ، و 89 ) " . فقد تم إدخال تلك التعديلات بآلية جديدة فى تعيين رئيس الوزراء ، الذى عليه النهوض بدور الأحزاب السياسية فى الإدارة الحكومية ، وإدخال مادة للتصويت على سحب الثقة من رئيس الوزراء . ومنح البرلمان حق الاستماع ومناقشة تقارير رئيس الوزراء حول القضايا الحيوية للتطور الاجتماعى والاقتصادى للبلاد . ومنح مجلس الشيوخ صلاحية التصديق على مراسيم الرئيس حول التعيين أو التنحية من المنصب لرئيس غرفة الحسابات وغيرها .

وتمثل كافة التعديلات والإضافات التى جرى إدخالها فى الدستور ، حزمة من التدابير المدروسة بصورة عميقة ، لتعكس المتطلبات الحيوية للتطور الديمقراطى لمجتمعنا . وتتسم بطابع منطقى ومنهجى شامل ، وتتسق مع الاستراتيجية العامة للجمهورية فى خلق الدولة الحقوقية الديمقراطية ، وتشكيل المجتمع المدنى القوى .

وتمثل سيادة القانون شرطا حتميا للدولة الحقوقية ، وواحدا من أسس خمسة للنموذج الأوزبكى للتطور . فالدستور الذى يمثل القانون الرئيسى للبلاد ، ينبغى عليه بالدرجة الأولى ضمان مراعاة تلك السيادة . وتتمثل الوسيلة الرئيسة هنا فى الرقابة الدستورية التى تقوم بها المحكمة الدستورية . وينظم الدستور والقانون عمل تلك المحكمة من خلال المادة " حول المحكمة الدستورية لجمهورية أوزبكستان " . ويتم اختيار رئيس المحكمة الدستورية ونائب الرئيس وخمس أعضاء لها ، بما فيهم قاضى من " قاراقال باكستان " ، طبقا لترشيح رئيس مجلس الشيوخ التابع للبرلمان .

ومنذ لحظة تشكيل المحكمة الدستورية فى ديسمبر عام 1995، وهى تنظر مسألة دستورية مواثيق السلطة التشريعية والتنفيذية ، أى تقوم بتحديد تطابق الدستور مع القوانين ، وقرارات مجلس البرلمان ، ومراسيم الرئيس ، وقرارات الحكومة والأجهزة المحلية للسلطة الحكومية ، ومواثيق الاتفاقيات الدولية والالتزامات مع الدولة . وطبقا لنتائج نظر تلك القضايا تتخذ المحكمة الدستورية قراراتها المناسبة .

وتقوم المحكمة الدستورية بالعمل على تحديد مدى توافر المعايير التشريعية التى لا تتوافق مع بعضها البعض . وفى هذه الحالات تستخدم حقها فى التقدم بالمبادرات التشريعية ، وتقدم مشروع القانون إلى المجلس التشريعى التابع للبرلمان . بالإضافة إلى ذلك ، فهى تقدم تصورا رسميا لمعايير الدستور والقوانين ، وكذلك تقريرا حول تطابق دستور " قاراقال باكستان " مع القانون الرئيسى لأوزبكستان ، وقوانين " قاراقال باكستان " مع قوانين أوزبكستان .

والمحكمة الدستورية تنطلق قبل كل شىء من قاعدة أولوية حقوق وحريات الفرد ، والذى يمثل ضمانها الهدف الرئيسى للتطبيق العملى التشريعى لتلك الحقوق . ويتشكل عملها على أسس الإلتزام بالدستور ، والاستقلالية ، والزمالة ، والشفافية ، والنزاهة والحقوق المتساوية للقضاة .

ومنذ بداية عام 2013 وحتي نهاية شهر أكتوبر من نفس العام ، قام القضاة والخبراء من المحكمة الدستورية بدراسة 17 قانونا ، و160 قرارا للمجلس التشريعى ، و99 قرارا لمجلس الشيوخ ، و11 مرسوما و18 قرارا للرئيس ، و192 قرارا لمجلس الوزراء ، و9 اتفاقيات دولية وغيرها من مواثيق التزامات أوزبكستان ، وكذلك 6 أوامر ، وغيرها من المواثيق الخاصة بالنائب العام ذات الطابع التنظيمى . وتتلقى المحكمة الدستورية بصورة دائمة الطلبات المقدمة من الأشخاص الحقوقيين والمواطنين ، وتقوم بالنظر فيها أيضا . ومنذ بداية العام تم النظر فى 90 طلبا من الحقوقيين، و334 طلبا من المواطنين .

كما تم دراسة 1740 قرارا لمحافظى المقاطعات والعاصمة ، ونواب الشعب فى المحليات . وينتقل القضاة والخبراء بصورة دورية إلى مختلف مناطق البلاد لدراسة دستورية قرارات محافظى المناطق والمدن . فعلى سبيل المثال ، فى النصف الأول من هذا العام قاموا بزيارات إلى مقاطعات سورخاندارين وسمرقند ، حيث قاموا بدراسة تطابق القانون الرئيسى مع أكثر من 1300 قرارا أصدرتها الأجهزة المحلية للسلطة الحكومية .

وكما أشير من قبل ، فإن النظر إلى مرسوم قيادة الدولة حول " التدابير الخاصة بالتطور الجذرى للرعاية الاجتماعية للعاملين فى النظام القضائى " الصادر فى 2 أغسطس لعام 2012 ، وإلى تجارب الدول الديمقراطية المتطورة ، والتحليل النقدى للأعمال التى جرت فى مجال إصلاح النظام القضائى الحقوقى ، يشهد على عدم إمكانية تحقيق النجاح فى عملية التطوير السياسى والاقتصادى وتحديث البلاد ، دون النهوض اللاحق بدور الأجهزة القضائية فى الإدارة الحكومية ، وتدعيم صلاحياتها واستقلالها .

وتتعاون المحكمة الدستورية مع المحكمة العليا ، والمحكمة الاقتصادية العليا ، ووزارة العدل ، والنائب العام ، والمفوضية البرلمانية لحقوق الإنسان ( أمبودسمان ) . كما تقيم الصلات مع المحاكم الدستورية فى البلدان الأوروبية والآسيوية ، والمنظمات الدولية والإقليمية .

وفى يوليو عام 2010 ، وخلال اجتماع عقد فى مدينة جاكارتا ، قامت المحاكم الدستورية لكل من : أندونيسيا ، كوريا الجنوبية ، ماليزيا ، منغوليا ، تايلاند ، أوزبكستان ، والفلبين ، بتأسيس رابطة المحاكم الآسيوية الدستورية ، والمؤسسات المطابقة لها . ولاحقا تم القبول فى تشكيلها بالمحاكم الدستورية أو الأجهزة القائمة على الرقابة الدستورية لبلدان كل من : أفغانستان ، كازاخستان ، باكستان، روسيا ، طاجيكستان وتركيا .

وتعد الرابطة هيئة سياسية مستقلة ، تدخل ضمن مهامها إقامة المنتديات حول الولاية القضائية الحكومية والدستورية ، وتقديم المساعدات التقنية لتدعيم استقلالية المحاكم الدستورية . وقد منح إقامة الرابطة فرصا واسعة لتبادل الخبرات الإيجابية فى مجال تحقيق العدالة الدستورية .

وتدخل المحكمة الدستورية لجمهورية أوزبكستان ضمن أعضاء المؤتمر العالمى للعدالة الدستورية ، والذى يجرى تنظيمه تحت رعاية لجنة فيينا للمجلس الأوروبى ، والتى تضم 71 محكمة دستورية لبلدان العالم .

كاتب وباحث في الشئون الآسيوية

Follow us on Twitter @TRENDNewsAgency