تيموتيمور لنك أمير العائلة التيمورية

صور: تيموتيمور لنك أمير العائلة التيمورية   / وجه النظر

بقلم : أحمد عبده طرابيك- تتميز أرض أوزبكستان بشهرتها الكبيرة كمهد للقادة الأفذاذ والعلماء العظام ، الذين حفروا أسماءهم في سجلات التاريخ بحروف بارزة من ذهب ، ولذلك يدين بالفضل إلى مدن أوزبكستان العريقة التي أسهمت في وقت مبكر من تاريخ الأمة الإسلامية إسهاماً كبيراً في الفقه وأصوله والسنة وعلومها والتاريخ والأدب واللغة ، وبرز منها علماء أجلّاء لهم باع في الحديث وروايته ، والفقه ، وبفضل الموقع الجغرافي الهام عبر طريق الحرير العظيم كل أراضي أوزبكستان ، وهو ما زاد من تألقها وإشعاعها الحضاري في كامل المنطقة والعالم ، حيث عُرفت أوزبكستان بكونها موطن العلماء العظماء والشعراء والفلاسفة ورجال الدين والحكماء أمثال الإمام البخاري والخوارزمي والبيروني والنسائي والزمخشري والترمذي وأبو نصر الفارابي وابن سينا وأبو القاسم الزمخشري ، وكذلك القادة العظام أمثال الأمير تيمور وغيره الذين تركوا أثراً لامعاً في تاريخ الحضارة الإسلامية .

ولد الأمير تيمور مؤسس السلالة التيمورية في 25 شعبان 736 هـ الموافق 8 أبريل 1336 م في إحدي قري مدينة " كش " المعروفة حالياً باسم " شهر سيز " ، أي المدينة الخضراء باللغة الفارسية ، والتي تقع جنوب مدينة سمرقند في أوزبكستان ، وقد عُرف عنه قائداً عسكرياً فذاً ، ومن اسمه " تيمور " الذي يعني الحديد باللغة الأوزبكية عُرف عنه قوة إرادته ، وصلابة بنيانه ، وذكائه السياسي .

عاش تيمور لنك أيام صباه بين أفراد قبيلته " البرلاس " الأوزبكية ، حيث كانت أمه من سلالة جنكيز خان وأتقن فنون الحرب الشائعة عند القبائل الصحراوية من الصيد والفروسية ورمي السهام ، حتى غدا فارسًا ماهراً ، متقنًا لرمي السهام ، واعتنق المذهب الشيعي علي يد شيخه السيد بركة ، الذي التقي به في مدينة " بلخ " ، وقد كان لهذا الشيخ دوراً هاماً في تشجيع الأمير تيمور على غزواته وبخاصة مع الملك " تقتماش خان " .

عندما تُوفِّي " كازغان " آخر إيلخانات تركستان عام 1357 ، قام " تغلق تيمور " حاكم " قشغر " بغزو بلاد ما وراء النهر ، وجعل ابنه " إلياس خواجه " قائداً للحملة ، وأرسل معه " تيمور " وزيراً ، وقد اختلفا الرجلين وساءت العلاقة بينهما ، فقرر " تيمور " الانشقاق والانضمام إلى الأمير " حسين " حفيد " كازغان " آخر إيلخانات تركستان ، وتقرب إليه ، فترقي في المناصب نتيجة إخلاصه وكفاءته ومهارته حتى عظم شأنه وصار من ضمن الأمراء ، وتزوج بأخت السلطان " حسين " ، ونجح الإثنان في جمع جيش لمحاربة " إلياس خواجه " ، لكنهما لم ينجحا في تحقيق النصر ، ورجعا إلى خراسان ، وانضما إلى خدمة الملك " معز الدين حسين كرت " ، ولمَّا علم الأمير " تغلق تيمور " بوجودهما بعث إلى " معز الدين " يطلب تسليمهما له ، غير أن " تيمور " وصاحبه هربا إلى قندهار ، ومنها إلي سيستان .

عاود " تيمور " ورفيقه السلطان " حسين " جمع الأتباع والأنصار ، ونجحا في مهاجمة " إلياس خواجه " ، وتمكنا في عام 1364 من السيطرة على بلاد ما وراء النهر ، ثم لم يلبث أن وقع الخلاف بين الأمير " تيمور " وصهره السلطان " حسين " ، فتغلب " تيمور " علي السلطان " حسين " في معركة " ضاغلغا " ، ودخل سمرقند في 14 أبريل 1370 ، وأعلن نفسه حاكماً عليها ، وباعتباره من نسل " جغتاي " بن " جنكيز خان " ، فكان لديه طموحات كبيرة في إعادة مجد المغول ، فكون مجلس شوري من كبار الأمراء والعلماء ، وبدأ في بناء دولته التي نمت وازدات بشكل سريع .

أسس " تيمور لنك " جيش ضخم معظمه من المغول ، وبدأ يتطلع إلى بسط نفوذه ، فاتجه إلى خوارزم ، وغزاها أربع مرات بين عامي 1372 - 1379 حتي استطاع السيطرة عليها وضمها إلي دولته ، وخلال تلك الفترة نجح في السيطرة علي صحراء " القفجاق " التي تمتد بين " سيحون " وبحيرة " خوارزم " وبحر " الخزر " المعروف باسم بحر " قزوين " .

عندما اضطربت أوضاع خراسان عام 1380 ، أرسل " تيمور لنك " ابنه " ميران شاه " الذي كان يبلغ من العمر أربعة عشر عاما في ذلك الوقت إليها ، فنجح ذلك الفتي القائد في السيطرة علي الاضطرابات التي سادت الإقليم ، كما أعاد بسط سلطة الدولة علي إقليم بحستان وأفغانستان ، ثم اتجه في عام 1385 إلي مازندران ، التي استسلمت دون قتال بعدما بلغها من أخبار عن قوة الجيش التيموري ، ثم انطلقت جيوش " تيمور لنك " صوب أذربيجان ففتحتها ، ومنها توجهت إلي بلاد فارس التي كانت ثائرة علي حكامها .

هاجم " توقتمش " ملك بلاد القفجاق عام 1388 بلاد ما وراء النهر ، واغتم شعب أذربيجان تلك الفرصة للثورة علي حكم " تيمور لنك " ، وأعلنوا عن ولائهم للملك " توقتمش " ، ونتيجة لتفاقم الأحداث توقف " تيمور لنك " عن التوسع ، واتجه إلي أذربيجان لإخماد الثورة ، وما إن وصلها حتي فر " توقتمش " ودخل الأمير " تيمور " البلاد وأعاد لها الأمن والاستقرار عام 1391 ، وأمر بإعادة بنائها وتعميرها ، ولكن " توقتمش " أعاد مرة أخري الهجوم علي بلاد ما وراء النهر ، فتعقبه " تيمور لنك " حتي بلاد المغول وصحراء القفجاق وهزمه هزيمة ساحقة وقضي علي قوته تماماً .

بعد أن تخلص " تيمور لنك " من خصمه " توقتمش " عاد مظفراً بالنصر من صحراء القفجاق عام 1392 ، وجعل ابنه " ميرنشاه " نائباً عنه في حكم خراسان ، كما جعل حفيده " بير محمد " حاكما علي غزنة وكابل ، واتجه " تيمور لنك " إلي إيران في أغسطس 1392 لإخماد الثورات التي اندلعت بها ، وعرفت حروبه بها في تلك الفترة باسم " حروب السنين الخمس " ، أخضع خلالها " جرجان " ، " مازندان " ، ثم اتجه إلي العراق ، وواصل سيره حتي ديار يكر ، وبلاد أرمينيا والكرج " جورجيا " ، وعندما أراد التوجه إلي بلاد الشام علم بخروج سلطان المماليك " الظاهر برقوق " من مصر بجيش كبير لملاقاته ، فآثر " تيمور لنك " الرجوع ، خشية استغلال بعض المناطق تلك الحروب والثورة علي حكمه .

رغم بلوع الأمير " تيمور " عامه الستين ، إلا أن ذلك لم يوهن من عزيمته في مواصلة الفتوحات ، ولم يركن إلي الراحة والخلود وإلي ما حققه من انتصارات وانجازات ، فعندما علم بموت ملك الهند " فيروز شاه " ، الذي لم يكن له وريث لحكمه ، وحدوث بعض الاضطرابات والصراعات علي السلطة من بعده ، استغل " تيمور لنك " فترة الضعف والصراعات ، وعزم على غزو الهند ، وانقض بجيشه الجرار علي قوات " محمود تغلق " في 17 ديسمبر 1397 ، وهزمه واحتل دلهي عاصمة " آل تغلق " ، وعاد " تيمورلنك " إلى سمرقند محمَّلاً بالغنائم ، ومعه سبعون فيلاً تحمل الأحجار والرخام التي أحضرها من دلهي ، ليبني بها مسجدًا في سمرقند ، وفي تلك الأثناء بلغ الأمير " تيمور " نبأ موت سلطان المماليك في مصر " الظاهر برقوق " ، وموت القاضي " برهان الدين أحمد " ملك سيواس ، فرأى الأمير " تيمور " أنه بعد موتهما بأنه الأحق للظفر بمملكتيهما ، ولم يمكث الأمير " تيمور " طويلاً في سمرقند بعد عودته الظافرة من الهند ، واستعد للخروج ومواصلة الغزو ، وانطلق في حملة كبيرة عام 1399 ، حتي عام 1405 ، وسُميت بحملة السنوات السبع .

بدأ " تيمورلنك " غزواته باكتساح " قره باغ " ، ثم توجه إلى تفليس عاصمة جورجيا عام 1399 ، ثم توجه إلي سيواس وعنتاب ففتحها ، وتوجه إلي حلب فسقطت في يده بسبب رفض مماليك مصر مساعدة أهل الشام نتجية صراعهم علي الحكم ، واتجه إلي حماه وواصل زحفه إلي دمشق التي بذل أهلها جهوداً مستمية في الدفاع عن مدينتهم ، لكن ذلك لم يكن كافياً لمواجهة جيش جرار يقوده قائد محنك ، فاضطروا إلي تسليم دمشق ، وبعد أن قضي بها ثمانين يوماً ، رحل عنها مصطحباً أفضل علمائها وأمهر صناعها ، واتجه إلي طرابلس وبعلبك .

واتجه " تيمورلنك " بعد ذلك إلى بغداد ، التي كانت تحت حكم الدولة الجلائرية ، وأمام قوة جيوش " تيمور لنك " لم تستطع المدينة المقاومة ، خاصة بعد تناقل الأخبار عن الفتوحات التي حققها في الشام ، فسقطت بغداد تحت وطأة الهجوم الكاسح في أيدي " تيمور لنك " ، ولم تُشبِع هذه الانتصارات طموح الأمير " تيمور " الجامح وشغفه في التوسع بفتح البلاد والمدن، فانطلق في عام 1402 تجاه آسيا الصغري بجيش قوامه 300 ألف جندي فاقتحم سيواس والأناضول واصطدم بالجيش العثماني بقيادة " بايزيد الأول " ، الذي استعد لملاقاة " تيمور لنك " ، والتقي الجيشان في معركة أنقرة في 20 يوليو 1402 ، وانهزم " بايزيد " ووقع في الأسر هو وأحد أبنائه ، وعاد " تيمور لنك " بعد ذلك إلي عاصمته سمرقند ومعه الأسري الذين اعتقلهم ومنهم " بايزيد " الذي مات في الطريق في 10 مارس 1403 بمدينة بورصة .

ما أن وصل " تيمور لنك " إلي سمرقند حتى أعد العدة لغزو بلاد الصين في خريف 1404 ، ولكن عاني جيشه قسوة البرد والثلوج ، ولم تتحمل صحة قائده هذا الجو القارس ، فأصيب بالحمى التي أودت بحياته في 17 شعبان 807 هـ / 18 فبراير 1405 م ، بعد أن خضعت له البلاد من دلهي إلي دمشق ومن بحيرة آرال إلي العراق ، وبعد وفاته نقل جثمانه إلي سمرقند حيث دفن في ضريحه المعروفة باسم " كور أمير " أي مقبرة الأمير .

كاتب وباحث في الشئون الآسيوية

Follow us on Twitter @TRENDNewsAgency