الحوار- علاج شاف من التطرف

صور: الحوار- علاج شاف من التطرف / وجه النظر
رهاميم  إمانويلوف,رئيس مؤسسة " نفاعل الحضارات" خاصا لـتـرنـد

اليوم في بداية القرن الحادي والعشرين في عالمنا المعولم والذي أصبح فيه الناس من جميع الطوائف والثقافات في تفاعل دائم غدت مسألة التناسب بين الدين والسياسة والعنف على ما يبدو مهمة كما ولم تكن من قبل. فغالبية العمليات الإرهابية التي حدثت مؤخرا كان لها خلفية دينية. وهذا بالطبع يثير قلقا كبيرا.

في العقود الأخيرة من القرن الماضي وأوائل القرن الحالي أصبح الإرهاب من التحديات الأساسية للأمن العالمي ويمارس باسم الدين. الوضع الذي يختلط فيه الإرهاب العنف السياسي مع الإيمان الديني- خطر للغاية. من وجهة نظر "المتديين" فالعنف الإرهابي هو ديْن تسوغه النصوص المقدسة (سواء كان ذلك الانجيل أو القرآن وغيره). العنف الذي يشرعه الدين يصبح مدعوما نفسه بنفسه ذلك لأن أعمال العنف نفسها تصبح مشروعة من قبل الرب. والأكثر من ذلك أن الجماعات الإرهابية المدفوعة دينيا تظهر قدرة عالية على الاستمرار مقارنة بتلك التنظيمات الإرهابية التي تقودها دوافع أخرى (يمينية متطرفة، يسارية متطرفة أو قومية وغيرها).

في وسائل الإعلام زفي الوعي الجماهيري يوجد هناك انطباع بأن الإرهاب يكاد أن يكون متصلا بالإسلام فقط في مفهومه المتطرف. في الحقيقة رغم وجود عدد كبير من الجماعات المتطرفة التي تقدم نفسها تحت راية الاسلام، فإن أتباع الطوائف الأخرى يعتبرون أعمال العنف مسوغة دينيا.

لكن هل يمثل المتطرفون الحاملون للكراهية والموت مهما كانت تبريراتهم لأعمالهم مثلا سامية، الأديان التي يتكلمون باسمها؟ الجواب قاطع: لا.

وعلى الرغم من ذلك تظهر هناك مسألة: ما مدى مسؤولية هذا الدين أو ذاك عن أعمال الناس الذين يحملون العنف باسم الدين؟ فغالبية الأديان العالمية في أساسها تدعو إلى السلام والمحبة. وهذا بالطبع كذلك، لكننا لا نستطيع أن نستثني أن الصيغ الإيديلوجية "المتطرفون من الدين" لم تأتي من فراغ بل تستعين بالتقاليد الدينية والنصوص المقدسة ومؤلفات علماء الأديان.

المسألة الأخرى إلى أي مدى يحرف المتطرفون جوهر ونص الدين، إلى أي حد تعتبر آراؤهم مقبولة في الأوساط الطائفية.وهذه الصورة لا تعطينا إمكانية الاتفاق مع وجهة نظر الذين ينسبون التطرف والإرهاب إلى جوهر الدين. الأديان العالمية ظهرت منذ زمن بعيد أما تاريخ الإرهاب الديني فقد ولد أمام أعيننا.

فتحميل المسؤولية لطائفة دينية أو إثنية عن أعمال الإرهابيين والمتطرفين خطأ من أساسه وأمر معيب وخطر للغاية. والأكثر من ذلك إذا ما ابتعدنا عن المظاهر الخارجية والمحتوى الديني للصيغ الايديلوجية للمتطرفين والإرهابيين من المستبعد أننا سنجد في أسسها النظرية والتطبيقية عنصرا خاصا يمليه الدين تحديدا. غير أن روح عدم التسامح والكراهية للغير تعتبر عاملا يوحد المتطرفين بكافة أشكالهم سواء كانوا علمانيين أو متديين.

بغرض حل المسائل المتعلقة بالتطرف والإرهاب يجب على الحكومات أن تعمل على كشف الجماعات الإرهابية ومحاكمتها ولاسيما الكشف عن الأسباب التي تولد الإرهاب داخل المجتمعات المختلفة. وعلى الرغم من كل التناقض الذي قد يبدو لنا إلا أنه من الضروري ان نستمع إلى مبررات المتطرفين الديين في خضم خطابات الكراهية والعداوة لنضمن المكافحة الفعالة للخطر الإرهابي الذي يصدر منهم. بالطبع فبالنسبة لأتباع التيارات المتطرفة المحتملين لا تأتي دعواتم من فراغ. فمن بين الظروف التي تساهم من نشر الإرهاب- النزاعات والفقر والتخلف واغتصاب حقوق الإنسان وغياب سيادة القانون. فالأساليب السريعة والمخففة والمعنفة لحل المشاكل والتي تعتبر تربة خصبة لنمو التطرف والإرهاب لا يمكنها أن تكون ضارة فحسب بل وخطرة.

ويستغل الزعماء الإيديولوجيون المشاكل الموجودة التي يصطدم بها الناس وعادة ما يتم التركيز عليها مصطنعا ويبالغون فيها ويحرفونها. ومن هذه القضايا الأنظمة المرتشية في بعض الدول، الاضطهاد الذي يمارس على ممثلي الطوائف الأخرى، سياسة الغرب بمفهومه العام في دول العالم الثالث والنهج الغربي المفروض بكل محاسنه وعيوبه. فالتلاعب بهذه المواضيع عادة ما يؤمن اهتمام وتفاعل الكثير من المؤمنين تجاه لغة التطرف.

وفي هذا الصدد نجد أمرا هاما للغاية وهو ايديولوجية التطرف الديني يجب أن توازيها المثل العليا الحقيقية، الأخلاق والأفكار التي يجب أن تكون بديلة للناس. فالفراغ الفكري والأخلاقي و/أو محاولات إبدالها بمخططات ايديولوجية المصطنعة والمفروضة لا يمكنها أن تكون عائقا نحو تجنيد متطوعين متطرفين جدد ولكن دفع الشباب إلى الانخراط في صفوفهم.

الراديكالية، التطرف والإرهاب بدافع ديني- مظاهر معقدة ومتعددة المكونات لا يمكن توضيحها بسهولة. إن ظهورها مرتبط بمجموعة كاملة من الأسباب والمصادر. ولهذا فإن جذور التيار الإرهابي المعاصر لا يمكن إزالته بأداوت بدائية. ولا تجدي هنا الجهود العسكرية والاجتماعية. من الضروري توفير عمل فكري وديني مكثف. يجب اتخاذ الإجراءات من أجل تحريك الأساس الفكري للتيار المتطرف بغض النظر عن المسوغات التي يحتمي بها وبذل كل ما يلزم من أجل وقف انخراط أفراد جدد في صفوفهم. وفي هذا الشأن يجب أن يقول ممثلو الطوائف التي يستغلها المتطرفون لنشر الموت والتفرقة والكراهية، كلمتهم.

التهديدات التي يحملها التطرف الديني للإنسانية لا تقتصرعلى الخسائر البشرية فحسب. فهناك تهديد هام تخلفه الأعمال الإرهابي مثل خلق مناخ الشك المتبادل والخوف بين مختلف الطوائف (وحتى داخل الطائفة نفسها). وهذا العنف يعمق الحدود الاثنية والدينية وقد يكون قنبلة موقوتة تنفجر بعد عقود أو قرون من الزمن. وهنا يكمن الخطر الأساسي للتطرف من هذا النوع.

علينا أن نبذل قصارى جهدنا من أجل التقريب بين مختلف المجتمعات وإقناع الشعوب بتقبل النقاط المختلفة في النظام الاجتماعي واختلاف الثقافات ما يعتبر الإنجاز الأبرز للحضارة. من الهام جدا إقامة الحوار بين الطوائف والثقافات. فهذا الحوار لا يجب أن يقتصر فقط على النخب السياسية والدينية والاقتصادية والفكرية بل ويشمل الجماهير الواسعة من سكان مختلف دول العالم. ويجب على الشباب أن يقوم بالمشاركة الفعالة في هذا الحوار. فالحوار بين الأديان والثقافات والشعوب هو كما حقنة التطعيم التي توفر الوقاية الثابتة من الإرهاب والتطرف. طبعا يجب الأخذ بعين الاعتبار أن هذا الحوار غير قادر على وضع حد لمثل هذه المظاهر بالكامل، إلا أنه لا يمكن مكافخة العنف والكراهية بدونه. روسيا بصفتها دولة متعددة القوميات والطوائف يجب ألا تقف جانبا من هذه العمليات.

فالتجمعات الدينية يجب أن تقوم يصياغة طرق معالجة القضايا الملحة التي تقف أمامها الإنسانية. من الضروري بحث السبل للتوصل إلى نظام عالمي عادل وطرق تجاوز التهديدات الراهنة وإضفاء نبض جديد للحوار بين الأديان. وهنا يجب أن نقف عند نقطة مهمة وهي أنه في ظروف العولمة يجب المحافظة على أصالة الثقافات. من البديهي أنه يجب أن تتاح لجميع الثقافات والحضارات إمكانية تقرير مصيرها ومصير العالم. بالطبع أن تاريخ الاستعمار غالبا ما يؤدي إلى اختلال توازن مصالح الثقافات المختلفة في العالم الراهن. غير أن اختلال التوازن هذا لا يجب يكون مصدرا للانزعاج والذي يثير بدوره التطرف. يجب أن نتفهم أن القناعة الخيار الأفضل. فمسيرة تطور الإنسان لا يمكن التكهن بها وفقد تنقلب الموازين ويصبح المستضعف هو الفائز في النهاية...

Follow us on Twitter @TRENDNewsAgency