"يوم القيروان" عاصمة للثقافة الاسلامية 2009 بتركيا هل سيكون "يوم القيروان" ام "يوم تونس" ؟

صور: "يوم القيروان"  عاصمة للثقافة الاسلامية 2009  بتركيا  هل سيكون "يوم القيروان" ام  "يوم تونس" ؟ / سياسة

"يوم القيروان"  عاصمة للثقافة الاسلامية 2009  بتركيا  هل سيكون "يوم القيروان" ام  "يوم تونس" ؟

 ماذا تقوله القيروان اليوم لنا وبنا في " يوم القيروان"  بتركيا؟ اهو تاصيل هوية ام بناء وعي و تونس في استبرق انتخابات رئاسية و تشريعية؟


" القيروان عاصمة للثقافة الإسلامية 2009  " :   أفي  هذا الحدث احياء لتاريخ الاغالبة  و تاصيل  لوجه هوية من التاريخ البعيد-القريب تشارك فيه  بعد مكة و  حلب و طرابلس والاسكندرية   القيروان من الجمهورية التونسية  ام  تأريخ  لتونس المعاصرة  كوجه  وطن  منذ العصر الاسلامي الوسيط حيث كانت القيروان فعلا  عاصمة اللأغالبة ؟ ام هو حدث خاص يندرج ضمن انشطة "الايسسكو " ؟  كيف يتلقى الوعي المحتفي و الوعي الكاتب التونسي هذا الحدث من ذات هذه  " المنظمة الاسلامية للثقافة و العلوم"؟ و ماهي تبعاته  الفكرية و السّياسية و الثقافية و الاستيجيتراتيجية  في حاضر تونس المعاصرة و لدى الوعي العربي جهويّا و اقليميّا  بما ان " الجمعية العربية التركية  للثقافة و العلوم "  تحتفي في هذا الاطار، بـ" يوم القيروان في تركية " الى جانب الراي العام العربي الاسلامي بحضور النخب العربية في مفتتح هذه الاحتفائية و على امتدادها طوال هذه السنة؟ و ماهي الاضافة  -عمليا الى القيروان  من تركيا  و هي تكرس يوما  للقيروان هناك  من سنة  القيروان بين الهنا و الهناك  من مقرّ الايسسكو ؟  
اعلنت منظمة "الايسسكو"   ان القيروان ستكون " عاصمة للثقافة الاسلامية"  لسنة  2009 و انطلقت فعاليات اشغالها الفكرية و الثقافية و الاستراتيجية  رسميا منذ مارس 2009 في تونس تحت سامي اشراف الرئيس زين العابدين بن علي رئيس الجمهورية التونسية. و تعتبر هذه التظاهرة من اهم الاحداث الثقافية الكبرى  التي ستكون مناسبة لابراز مميزات الثقافة الاسلامية في تونس في مداها البعيد و المستقبلي بما ان حاضرها يحتضن مقترح "الايسسكو" بروح و ريحان.
 و " الأيسسكو " هي منظمة  عالمبة تعمل-تربويّا- على ترسيخ الوحدة الثقافية للهوية العربية  الاسلاميةو تنمية قيمها الروحية و العقدية   لغة و تاريخا  واسلوبا روحيا و جماليّا  معماريّا كان او تشكيليا  فنونيا  وحرفيا يدويا.  وكما تعمل على صيانة الذاكرة الجمعية للهوية،  تعمل  ايضا على  ابراز- و بقرار صادر عن انشطتها منذ 2001 -  الخصوصية الثقافية التي تميز كل مدينة يقع اختيارها دوريا كل سنة هنا و هناك في مختلفات المجتمعات العربية المعتنقة للإسلام  و  بهدف  كذلك احياء التعاون الثقافي بين هذه البلدان  و تمتين علاقات الحوار بين الحضارات و الثقافات المتنوعة بتنوع الاوساط الجغرافية و المناخيةّ .  اختارت  القيروان  في تونس لسنة(2009) بعد مكة(2005) و حلب(2006) و طرابلس(2007) و الاسكندرية(2008).    لان  تكون   "  عاصمة للثقافة الاسلامية" لما توفره القيروان من ثقل المخزون  الحضاري العربي الاسلامي حيث كانت عاصمة  الاسلام الاولى في "افريقية" كبلاد المغرب و الاندلس مجتمعتين جغرافيا،  بجامعها الشهير بسبقه  في المنطقة و في افريقيا على التحو القارّي الذي ندركه اليوم :   "جامع عقبة ابن نافع" و الذي أٌٌسس سنة 50 هـ لمّا طالت ارجل المسلمين  لاول مرة هذه المنطقة في اطار الفتوحات و نشر الدعوة المحمدية  الى الاسلام  كرباط  ديني  و سياسي لساعتها.
 فهل في هذا الاختيار  احياء للثقافة الاسلامية كردّ خبر هوية عمادها " ثقافة القران "  و السنة النبوية  ام  احياء  لتاريخ الاغالبة  كجزء من هذه الثقافة التي عمّرت  مكان  اسمه  اليوم  تونس؟    تونس تبقى فيها القيروان مدينة من المدن التونسية  توجد - جغرافيا-  في الوسط  من خارطة الجمهورية التونسية الواقعة في شرق  شمال افريقيا و جنوب المتوسط، و هي مركز ولاية  ضمن 24 ولاية عاصمتها - متألفة و منسجمة تحت النظام الجمهوري-  تونس. و من هذا الموقع تكون تونس عضو "الاتحاد المغاربي و عضو " الاتحاد الافريقي" و عضو "  الفضاء المتوسطي" ...
 والقيروان في تونس اليوم، تتميز عن بقية المدن التونسية  بطابعها الحضاري الاسلامي كـ " مدينة تاريخية"  شكّلت  منذ قيامها عاصمة  اللآغالبة  بقيادة  ابراهيم  ابن الاغلب في مجال زماني كانت فترته بين  184- 286 هـ  الموافق  800 -908 م. ولئن اختلفت عن بعض المدن التونسية فان الطابع العام للمدن العتيقة و خاصة شكل  الاسواق و بضاعتها لا يختلف عن شكل الاسواق و بضاعتها في جل المدن العربية التي وقع الاحتفاء بها.  يكتب البكري " و من القيروان الى مدينة سوسة ستة و ثلاثون ميلا قد احاط بها البحر من ثلاث نواح : الشمال و الجنوب و الشرق و سورها صخر،  منبع متقن البناء و في ركن مدينة سوسة الذي بين المغرب و القبلة  منار عال يعرف بمنار خلف  الفتى. و بها ثمانية ابواب احدها باب كبير جدا شرقي دار تٌعرف بدار الصناعة  منها تدخل المراكب و تخرج . و الخروج من سوسة الى القيروان من الباب القبلي المعروف بباب القيروان... داخلها محرس عظيم كالمدينة مسوّر بسور متقن يعرف بمحرس الرباط وهو ماوى للاخيار و الصالحين""  
 فما معنى ان تكون اليوم " عاصمة " بكل الثقل المعنوي و الواقعي لعبارة عاصمة؟ عاصمة على اية مدن؟  و الاّ  ما معنى  عاصمة  في عاصمة   سندها  اليوم " ميثاق  وطني 1988"- ياتي مباشرة بعد "بيان السّابع من نوفمبر 1987" و "الدستور 1959" -  رؤيته و خياراته  و سياقاته وطنية-  أممية  تكون فيه الثقافة الاسلامية  جزء  من  كلّ  حضاري  حركي  يتجذّر  تاريخه المكتوب منذ قرطاج التي اسّستها الاميرة  الفنقية " ديدون"  في القرن الرابع قبل  ميلاد المسيح أي منذ ما يقارب  3000سنة؟
 ينصّ "الميثاق الوطني" في مفتتحه  على :  "  ان الثقافة الجديدة التي نطمح اليها هي ثقافة متجذرة في تراثنا الحضاري و خاصة في الموروث  الاحتهادي و العقلاني العربي و الاسلامي متفتحة على عطاء الفكر الانساني  عامة  راسخة  القدم في عالمها المعاصر،  مستوعبة لمكتشفات العلم و التكنولوجيا "، فلا يفوت الوعي التونسي اليوم من تاصيل الحدث و   من هذا المنطلق  ابراز خلفياته الثقافية و السياسية و الاستراتيجية و الجيوسياسية  على ضوء تطور  الدراسات  التاريخية للعصر الكلاسيكي الوسيط  في "الانسانيات"  منذ ان قامت القيروان فعلا عاصمة الاغالبة،  و على ضوء الدراسات السوسيو- اثنيّة التي اهتمت  بالقيروان في تاريخ تونس   الحديثة و المعاصرة  كذات و كهوية و ككيان تطور الى راس مال رمزي قابل للتشكّل بحسب الاحائية التي تدّون له من جهة قابليته كتراث مادي و لا مادي،   وعلى ضوء ايضا،  الدراسات الاستراتيجية التي تنبه الى "المستقبلية"  في " عالم مشترك " قوامه مجتمع السوق و التكتلات الاقتصادية بما فيها التكتلات الثقافية الهووية و التي اصبحت في حدّ ذاتها منتوجا يشارك في الكونيّة خارج ضيق اطر الايديولوجيات التي تنمّي الانغلاق و الارهاب و التبعية.  ذلك انه و - حسب  تقديرنا - كان " قد انتهى  زمن كان بمقدور المرء فيه ان يعيش رؤية تفترض ان مستقبل التاريخ يمكن تطويعه لايديولوجية  ايّما كانت، و انه قد انتهى زمن يجوز للفرد فيه ان يتنازل عن وعيه وعن حقه في طرح الاسئلة  تسليما  بإجابات إيديولوجية تدعي انها تملك الحقيقة كلها و تعفي الفرد من عبئ السؤال و تعفيه ايضا من جهد الاجابة..."  وهو ذات المنظور التي تركن اليه "الجمعية العربية التركية"  لما اعلنت اعلاميا على صفحات " الواب " مقاصدها من الاحتفاء  ب " يوم القيروان  في تركية حيث  اوضح  الدكتور محمد العادل رئيس " الجمعية التركية العربية "  للعلوم والثقافة والفنون  انّ    هذه الجمعية  هي " منظمة ثقافية أهلية غير ربحية ذات صفة دولية مركزها أنقرة و تهدف إلى بناء جسور متينة للتواصل الحضاري بين شعوب و بلدان العالمين التركي و العربي في مجالات العلوم و الثقافة و الفنون و الإعلام و المجتمع المدني،  تسعى لتطوير الرؤى الإستراتيجية لهذا التعاون بما يحقق المصالح المشتركة للطرفين بعيداً عن أيّة قوالب أيديولوجية  تحجّم  العمل  أو الرؤية".  معبّرا في ذات السياق، عن " اعتزازه بمبادرة جمعيته لتنظيم يوم القيروان في تركية بالتعاون مع السفارة التونسية لدى تركيا ، من  حيث  تهدف هذه الفعالية إلى إبراز الدور الكبير الذي لعبته القيروان عبر مختلف العصور في مد جسور الحوار الحضاري والثقافي بين العديد من المجتمعات وفي مقدمتها المجتمع العربي الإسلامي ومجتمعات دول شمال حوض البحر الأبيض المتوسط".   مشيرا " الى اهمّية أن تشهد عواصم عالمية اخرى فعاليات مماثلة لنقل صورة الاحتفالات داخل القيروان الى الرأي العام العالمي،  خاصة و ان مثل هذه الانشطة تساهم في تنشيط حركة السياحة نحو تونس بالاضافة الى انها تبرز بشكل جلي اسهامات تونس و مدنها العريقة كالقيروان في الحضارة الانسانية".
يتعمق حجم سؤالنا عن " الراس مال الرمزي" القيرواني المادي منه و الاّمادي" في المخيال الدولي    و الذي  يٌصعّد بمقتضاه الى مستوى الثراث العالمي،   بسؤال كبار المؤرخين في تونس لمّا يباحث في محاضرة   اكاديمية  افتتاحية عنوانها حمّال لسياقها و لمرجعيّاته المعرفية و السياسية :  " كيف نقرا تاريخنا ؟ " تاريخ هذا البلد الذي يٌحتفى فيه بـ" القيروان عاصمة للثقافة الاسلامية لسنة 2009 "،  حيث يعرض الحبيب بولعراس - في التاريخ المعاصر - بعين النسر الدقّاق و بعبارة له " مشاكل قارئ " فيها تحييد لكل مقاربة تمجيدية قد تخل بضوابط البحث العلمي في استقراء تاريخ  وطن  فتنحو به  الى مزالق فائض قيمة  احتفالي عاطفي لانّ  الاهتمام بالقيروان اليوم لا يمكن  بايّة  حال انتزاعه  - من ناحية -  من تاريخ  تونس، و من ناحية اخرى  من  موضع  تونس اليوم في العلاقات الدولية عربية كان او متوسطية او اممية، ولا كذلك عن تونس كسلطة وطنية  هي مرجع النظر الذي سمح بهذه الاحتفالية و يشرف على فعالياتها الى موفى 2009. من هذه المنطلقات، نسعى مع " الايسسكو"  الى احياء الذاكرة و في ذات الحين،  بناء الوعي بالفعل الثقافي الذي نستثمر  في مستوى السلطة التي يرجع اليها بالنظر عربيا  و دوليا، بما انّ فعل احياء الذاكرة  اصبح بدوره من مشمولات منظمات دولية، " اليونسكو" اساسا و التي  تٌعنى برصد ما يمكن ان يكون " تراثا مشتركا " بين الاناسة كونيا " كمثل مدينة  " سيدي بو  سعيد " بالضاحية الشمالية  من العاصمة  " تونس "  و" القيروان " اليوم مع انها كثيرة المدن التونسية التي اكتسب موروثها الحضاري صفة  "العالمية" من جهة المواصفات الجمالية و التاريخية كمدينة "الجم"  و التي يعتبر مسرحها الروماني الثالث عالميا بعد مسارح روما، و هو اليوم قبلة التحالف الموسيقي العالمي ...
 يكتب الحبيب بولعراس  اذن  " مشاكل قارئ" قابلة للتعميم  حيث ان الحدث مشترك  بين " الهوية العربية" من ناحية و " الهوية العربية الاسلامية "  من ناحية اخرى، فحدث القيروان هنا في تونس  يتآقت مع  حدث " القدس عاصمة للثقافة العربية 2009 "  في  فلسطين، و المركّبات النعتية هذه " الثقافة العربية" و"  الثقافة العربية الاسلامية "  بحاجة  الى تاصيل منطقي  داخل  جغراقية ما هو مشترك بين " العربي" من جهة و" الاسلامي"  من جهة اخرى "  : فان  قلنا " العربي"  ففي ذلك  احالة  الى  تاريخ  و لغة و نظام سياسي،  و اذا ما  احلنا الى " الاسلام " فالاحالة  صريحة الى " الدين " و بالضبط   الى :  " قرانا عربيّا ". فالعروبة هنا يضاف اليها  " الاسلام "  كنص يؤصل عبارة " ثقافة "  و يميّزها  هوويا  اذا ما اعتبرنا  انّ الثقافة بالمعنى المدرسي الدقيق انما هي واقعة نص،  ويكون محمولا على العروبة متى اعتنقت هذه الثقافة : " ثقافة القران" بعبارة متخصصة لعبد الوهاب بوحديبة. والقرأن هو أسّ  ومرتكز الدين الاسلامي و عمق الروح الاسلامية  و اطارها العقلي من حيث ان" من أٌوتي الكتاب و الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا". اهل الكهف في مسرحية توفيق الحكيم لما استعادوا اليقضة، تنكّر لهم المكان لما كان المستقبل داشم الثواء على حدوده. فايّ مستقبل لاهل الكهف كسدت سوق عملتهم؟
 لذلك يكون الحبيب بولعراس محقا لما ينبّه الوعي الكاتب او الوعي المتلقي  الى "السّلطة الراجع  اليها  بالنظر" و الى سؤال المكان  وايحائيته  بالتوقيت المحلي للوعي  القلمي  لان " الناس انما هم على دين الملك "بعبارة  لابن خلدون و دين القيادة في تونس لا يخرج عن اطاري "الكتاب و الحكمة". يكتب الحبيب بولعراس :
 "  غير  ان عددا  من الأسئلة الجوهرية مازالت قائمة و أريد أن أتعرض الى بعضها قبل التخلص الى محاولة تصوّر موقف متناسق الجوانب..،  السؤال الأول هو عم نتحدث ؟ هل نتحدث عن رقعة من خارطة  تسمى اليوم تونس لها حدود دولية مسجلة في منظمة الأمم المتحدة فندرس تاريخها كما لو كانت جزيرة وسط المحيط؟  هذا المجال الزمني لأنه يدعو الى الانطلاق  من ظهور هذه الدول، و يوسع في آن واحد نطاق البحث لأنه يفرض أن يدرس تاريخ جزء من هذه الأراضي في مستوى السلطة التي رجع إليها بالنظر، وهو خيار له مبرراته. لكن لا وجود لدولة بقيت حدودها كما هي الآن طوال التاريخ.  هل يتصور إنسان أن ندرس تاريخ النمسا مثلا على ماهي عليه اليوم دون الامبراطورية النمساوية المجرية التي ملكت وسط اروبا كله و بلغت البحر المتوسط ؟ [...]هذا يجرنا الى سؤال ثان له صيغ متعددة : فقرطاج الاولى كانت فنقية. فماهو موقفنا من الفنقيين؟ هل كانوا في نظرنا غزاة؟ ام كانوا ابناء عمومة شرقيين وافدين على هذه الديار ام كانوا مهاجرين نازحين استقروا بالبلاد و اختلطوا باهلها في ما بعد؟ كذلك اذا كان الانطلاق من دولة الفنقيين ما هو الاعتبار لمن كانوا بالبلاد من اهلها الاصليين  الامازيغ او  الاحرى  امازيغن ؟ هل نعتبرهم شعبا مغلوبا على امره ام شعبا مسالما احتضن الوافدين و تعامل معهم ؟ و لابد لنا من اخذ موقف في ما بعد ازاء كبار  ملوكهم  : كيف ننظر الى ماسنيسا  كأمير امازيغي انتصر لمصلحة إمارته فتعامل حينا مع الفنقيين في جيش حنبعل ثم ضدهم في جيش شبنون الروماني و اسهم في واقعة جامة  ام نعتبره خائنا للحكم الذي كان قائما بقرطاج وهو الحكم الفنيقي؟ ما هو موقفنا من حفيده الفنيقي؟ ما هو موقفنا من حفيده يوغرطة  الذي خاض حربا ميدانية و دبلوماسية ضد روما فلم تظفر الا بواسطة خيانة  بوخص ملك الاقليم العربي او الموريتاني كما كان يقال عندئذ[...] صحيح ان الانتساب الى الامبراطورية الرومانية دام قرابة ستة قرون و ان قرطاج الرومانية لم تعد عاصمة  امبراطورية كما كانت في العهد الفنيقي بل عاصمة اقليم  لكن البحر التوسط كان كله تابعا للامبراطورية في ذلك العهد.
          واذا كان معيارنا سياسيا ينبني على وجود الاستقلال و السيادة فوق الارض فانه ينبغي عندئذ من ناحية ان نحذف كامل الفتح الاسلامي الى قيام الدولة الفاطمية و من ناحية اخرى ان نمجّد  فترة  الوندال التي شهدت مدة قرنين 435م الى 535م قيام مملكة مستقلة عاصمتها قرطاج بل ان هذه المملكة اخذت ثار الفنقيين و غرب ايطاليا و هجمت على روما سنة 455م. و مع ذلك فان حكم الوندال مدة قرن مازال موضوع تحفظ من المؤرخين فان كان هؤلاء المؤرخون من انصار روما  فالموقف منطقي لشدة الضربات التي كالها الوندال  للامبراطورية  الغربية بعد ان احتلوا جزر البليار و كورسيكا و سردينيا و صقلية و ان كان التحفظ صادر عن انصار روما فانه يحتاج الى تبرير[...] ثم ياتي الفتح الاسلامي و ياتي مع الفتح الاسلامي مشكل لم يحسم الى اليوم وهو الموقف من البربر, طبيعي ان تكون المسالة معقدة في القرن العشرين بعد ان استخدام الاستعمار القضية البربرية مدخلا  لزرع الشحناء بين صفوف الشعب المسلم في المغرب الاقصى اولا ثم في الجزائر و طبيعي ان لا ينظر اليوم الا من زوايا السياسة و الثقافة . لكن القضية قديمة نجدها في النزاع بين موسى بن نصير و طارق بن زياد و نجدها بين عقبة بن نافع وكسيلة امير اوربا  و نجدها في علاقة الجيوش الاسلامية في الاندلس المقسمة الى يمانية وشامية و بربرية و نجدها وراء كل الدول التي قامت في مغرب العالم الاسلامي:  الادارسة و الفاطميين و المرابطين و الموحدين و الحفصيين و الحماديين و المراديين و ملوك الطوائف في كثرة من اصقاع الاندلس. ألم يحن الوقت لينظر المؤرخون على الاقل - و دعنا من السياسيين المتاثرين بعوامل ظرفية - الى دور البربر في التاريخ بنظرة تجرد و انصاف كما فعل ابن خلدون؟[...] اما اعتبار البربر قد زالوا من الوجود ساعة الفتح الاسلامي و انه لم يبق منهم الا فلول انشغلت بالتمرد و العصيان فهو امر يناقضه الواقع العددي و السوسيولوجي.  ان توارث بعض الاحكام المطلقة في صورة قوالب لفظية بلغ ببعض كتابنا اليوم الى حد استعمال نعت "البربرية " وصفا لكل ما هو وحشي وهم لا يشعرون بانهم  بهذا يرددون بالضبط التعابير التي جاءت على لسان الاستعماريين الذين روجوا لفكرة "الجن البربري"  و "الجني البربري" الذي يمنع هذه الامة من ان يستقيم لها امر و دولة...". و يستطرد الباحث : " و الغريب في الامر ان المؤرخون لم يتحرجوا طيلة قرون من الانتقال من وجهة نظر الى اخرى و لعل ابرز مثال على ذلك هو مثال اعتبار استقلال البلاد وهو موضوع شائك بلغ الاوج في النقاش في بداية القرن التاسع عشر و النصف الاول من  هذا القرن العشرين في ضوء الاطروحة الاستعمارية التي كانت تقول لم تكن تونس مستقلة يوما لتبرر وجود الحكم الفرنسي على اساس انه احتلال اخر في سلسلة احتلالات شهدتها البلاد : القائلون بفكرة الاحتلال يعتبرون الفنقيين و الرومان و الوندال و البزنطيين و كذلك العرب و العثمانيين غزاة احتلوا البلاد . و القائلون بالاستقلال لا ينظرون الى مصدر الهجرة بل الى مركز الحكم : فالهجرة شهدتها كل بلاد  العالم ،الافرنج زحفوا على  بلاد الغال و اعطوها اسمهم " فرنسا "و الانكل والسكسون زحفوا على بريطانيا و اعطوها اسمهم  " انكلترا "و الامثلة عديدة [...].

 المدينة كالكيان البشري تماما  تتغير بمتغير الاناسة التي تعمّر المكان، و خاصة في مستوى اسواقها:

 من هنا يجد سؤالنا عن القيروان في عيون الراي العام الدولي  و سؤال القيروان لنا في المكان    ثنا يا  اشمل  لمشروعيته : أي معنى لقيروان  " عاصمة للثقافة الاسلامية " في تونس الان و الهنا كمركز   سلطة راجع اليها بالنظر؟ اهو احياء من الفاعلين الذين حرّكوا الحدث  لتاريخ الاغالبة  تقول عنه  الباحثة في قسم التاريخ   دلال لواتي -من "جامعة منتوري"  بقسنطينة  في رسالة بحث لها  في "التاريخ الوسيط "   تٌعنى بـ  "  عامّة القيروان في العصر الاغلبي "-  انه حدث " يمنح مشروعية مواصلة البحث على مستوى حواضر اخرى للغرب الاسلامي " حيث  " تقدم القيروان في الامارة الاغلبية الحقل النموذجي لمعاينة  هذه الظاهرة  اذ صدرت القيروان عن حركة عمرانية فاعلة في تاريخ الغرب الاسلامي ، و لا ادل على هذه الاهمية كون ابن خلدون يجمعها مع قرطبة لتكون شاهدا ميدانيا على صدق منهجه في علم العمران،  فالنمو الحضري و التطورات التي شهدتها مدينة القيروان قد وفر المناخ الملائم لانطلاق نشاط العامة بكل شرائحها. و قد كان اختيار العصر الاغلبي ، ازهى فترات القيروان في كل عصورها و احتفطت الى الان بملامحها الاغلبية  وهو عمق القرن الثالث الهجري / التاسع ميلادي ..." وترى الباحثة ان  مدلول الاغالبة "يتعدّى عمّا يوحيه من تحديد زماني الى تفرّدها عن باقي حواضر المغرب المعاصرة لها كاسرة متميزة افرد لها ايضا ابن خلدون حديثا : " و بقيت افريقية للاغالبة و من اليهم من العرب فكان لهم من الحضارة بعض الشيئ بما حصل لهم من ترف الملك و نعيمه و كثرة عمران القيروان[...]"
 و من هنا يكون في احياء القيروان احياء للمجال الفكري و الثقافي للاغالبة و لروح القيروان كعاصمة لهم .   و نقول "روح القيروان " لاكثر من اعتبار :
-  اعتبار اول  تكون به  نشاة القيروان و التحولات التي شهدها المكان بتغير القيادات به  كما دوّن  لذلك  المؤلفون في تاريخ المدن :
-اعتبار ثان  يقودنا الى قيروان اخرى  بجغرافيا بشرية مغايرة تماما بتغيّر المناخ الثقافي و الفكري
الذي  راى نشاتها  تاريخيا و يوصّف الانحراف بثقافة المكان  المتنوعة داخل الصيرورة  التاريخية  من خلال " اجازة الشيخ عمر بوحديبة في القراءات "  حققها و قدم لها و علّق عليها و ترجمها الى الفرنسية حفيده استاذنا الباحث في علم الاجتماع اصيل القيروان  و رئيس المجمع  التونسي للعلوم و الاداب و الفنون" بيت الحكمة" بقرطاج، الدكتور عبد الوهاب  بوحديبة بعنوان " ثقافة القران"  صادر عن المجمع، قرطاج 2004، يهديه في صفحة  متفردة  الى " روح القيروان الخالدة ",
  نذكر هذا الكتاب هنا كقيمة مرجعية تتخصّص في دراسة سوسيو- اثنية، في الحديث بحميمية شخصية هي من خصوصيات الاتنوغرافي،   عن  المدينة  ثم    كشاهد  نصي على وعي معاصر يروي في مقاربة بحثية فيها  تشخيص علمي  لجانب من ثقافة ذات المكان يهتم  بسلوكات " الخاصة " علميا ووظيفيا في مدينة القيروان في القرن الثامن عشر خارج كل ارتجال و عشوائية ...
 يكتب عبد الوهاب بوحديبة في التمهيد لدراسة هذه الوثيقة و التي هي في الاصل  شهادة  علمية  بعنوان سنة 1175 هـ/ 1762م من التعليم الجامعي الاسلامي  و الذي ينظّّم " الاجازة  في القراءات"  في المدارس القيروانية : " هذا النص الذي اقدمه اليوم مستمد من وثائق عائلية، و هو عبارة عن اجازة في تدريس علم القراءات منحت لجدي الشيخ عمر بوحديبة في 15 رمضان1175 الموافق 31 مارس 1762. و لا اخفي ان هذا النص الذي فتتنني باتم معنى الكلمة كان والدي قد نبهني اليه في ما مضى، لكني اكتشفته مجددا في خمسينات القرن الماضي، فقراته بشيئ من التاثّر مستبعدا مضمونه المباشر و رابطا الصّلة بماض بعيد اصبح  فجاة  حاضرا. اما الغاية من هذا العمل  فهي تسليط  الاضواء على  النص  من  ثلاث  نواح  اساسية  الخصّها  في ما  يلي .
هذه الوثيقة عبارة اوّلا  و بالذات  عن  قطعة  من  تراث  ثقافي  شخصي، لم البث ان تبينت قيمتها في حد ذاتها : فهي كتابية لشهادة يتعين وضعها في سياقها و اعتبارها معلما من جملة معالم اخرى، او قل هي لحظة انتقال فن و علم بمحضر شاهدين عدلين في حالة الجواز و المعرفة او هي تؤسس مرة اخرى للنص القراني  في وسط المجتمع القيرواني خلال القرن الثامن عشر للميلاد. و تقيم هذه الاجازة "علاقة عقد"حقيقي بين الشيخ المجيز و الشيخ المجاز إلا أنها علاوة على هذه الصلة  بين شخصين  تتنزل في قلب ثقافة القران ذاتها".
تلقي هذه الوثيقة  اضواء  على مدينة القيروان  في الزمن الواقعي كما يقال و على ما عاشته من بلايا و محن خلصت منها بعد ذلك بحمد الله..".
   وفي ختام هذا النص بعد تحليله ينتهي المؤلف بسؤال  تاليفي يتمحور حول "  ماذا يمكن ان نستخلص من هذه المقاربة السريعة؟ " مجيبا  في تراتبية منطقية  بالقول : " اوّلا ان هذا النص النادر الذي يعد من امهات المصادر، يضعنا في قلب العقيدة الاسلامية. و لقد تاسست القيروان  لاشاعة الاسلام و نشره،  فعانت في سبيله و استفادت في نفس الوقت  من  قداسته" [...] اما الدليل الثاني فنستمدّه  من معرفتنا  لدور  القاضي  في  البلدان  الاسلامية،  اذ كان المنظم الاكبر للمجتمع."
فمن خلال مباحثة هذه الوثيقة قدم لنا عبد الوهاب بوحديبة قطعة انشائية عن حياة ممن ساهموا في بناء القيروان بصفة عملية من الخاصة هي ترجمان عن ذاكرة ضاغطة  لا تنسى، هي ذاكرة الباحث في علم اجتماع  المدينة  : " كيف انسى ذكريات الصبا و الساعات الطويلة لحفط النص القراني ايام العطل لما تغلق المدرسة ابوابها فاتردّد على كتّاب الحي؟ كيف انسى ما كان ياخذني عند الاستماع الى الآيات المرتلة في جامع عقبة يتفنّن في ادئها مشائخ لم احتفظ باسمائهم؟ كيف انسى الشيخ علي البراق و ابنه محمد، او الشاعر الشاذلي عطاء الله و صوته العجيب و أدائه  الباهر لسورة الرحمان ؟ كيف انسى صوت ابي الحنون وهو يصلي الصبح جهرا و انا "بين نومين" ؟ بين عصر الانوار الاروبية  و ما آلت اليه من صدام مع هذا النفس الاسلامي في اطار السياسات الاستعمارية التوسعية  الغربية  و الاستراتيجيات الامبريالية للقرن التاسع عشر و القرون الاّحقة عليه  قصد تجفيف المنابع الروحية  و العقدية  حيث يصنع  في عمق الوطن العربي  دولة لا شرقية و لا غربية  لكنها انموذج التحديث وعنوانة في المنطقة  أوكلت لها  مهمة " العاصمة الاقتصادية الغربية في الشرق الاوسط بعد ان فقدت دورها كقلعة عسكرية غربية في وجه الاتحاد السوفياتي في ظل الحرب الباردة. ان اسرائيل تطرح نفسها قوة  اقليمية  قادرة على منع انتشار الاصولية  الاسلامية في المستقبل كما طرحت نفسها في الماضي القوة المناهضة لانتشار الشيوعية العالمية في الشرق الااوسط. ان اسرائيل لا تنفك تتطلع للتحكم في النفط العربي انتاجا و اسعارا و اقتسامه مع البلدان المنتجة له و تكريس التبعية العربية اقتصاديا و تكنولوجيا " حسب تحليل لنائب رئيس حزب الكتائب في لبنان .
 اما عن جدّه الشيخ عمر، في تلك الحقبة فان صوت الوعي و الذاكرة  يواصل رصد ثقافة المكان قصد بيوغرافيا عائلية بايحائية و ايقاع مغايرين فيهما حماية بناء اجتماعي و ثقافي عائلي   مبرزا كيف رابط  جدّه  ليلتبس  بالعبق  المعرفي للمكان :
  " كان من تقاليد طلبة العلم في عصره ان يغتربوا و ان يقصدوا مدنا نائية مثل القاهرة او مكة او المدينة او دمشق او فاس ، لكن الشاب عمر لم يقطع مسافة بعيدة بل اكتفى بتونس العاصمة وزيتونتها، و لما عاد الى القيروان تولى عدة وظائف، فكان مقرئا و مرتلا و شاهد عدل ، و مدرسا بجامع الزيتونة في مسقط راسه و اخيرا قاضيا ابتداء من سنة 1800، في عهد حمودة باشا. و لقد نشأ الشيخ عمر في مدينة  ظلت فيها قراءة القران و دراسته النظرية و العملية من المشاغل اليومية العادية [...] كان الشيخ عمر معاصرا لملك فرنسا لويس الخامس عشر.  و لو كتب له ان يولد في الشمال لعاش عهد الثورات الامريكية و الاروبية . ولئن كان قيروانيا و مسلما فمن المرجح انه لم يسمع قط لا بحملة بونابارت  التي  اثرت ايما تاثير في التاريخ المعاصر و لا بالتقلبات الكبرى التي زعزعت الغرب و الشرق الادنى،  وانما كانت تشغله احداث اخرى جرت طوال القرن الثامن عشر المليئ بالفتن والانتفاضات السياسية التي اصابت القيروان جميع انعكاساتها . فقد كانت لمدينة عقبة مكانة دينية زيادة على بعدها عن الساحل و موقعها الجغرافي و مكانتها التاريخية و الثقافية في وسط البلاد، وهو ما جعلها في صدارة المنافسات و الدسائس و الحروب الاهلية الشرسة بين  الحفصيين  والشابية و بين العثمانيين والاسبان، و بين العديد ممن رشحوا انفسهم للسلطة على اختلاف انواعهم، مثل القرصان درغوث باشا جواب البحارو الجزر و السواحل الذي لعب، هو الاخر دورا دراميا في القيروان. و هكذا ظلت المدينة بين مد و جزر حوالي ثلاثة قرون وغدت مسرحا لاحداث فاجعة خلفت الدمار و الخراب و الماسي و المظالم [...]  في هذه المدينة والتي غدت مزدهرة وحضيت برعاية حمودة باشا، قضى الشيخ عمر القسم الثاني من حياته. واتخذت القيروان شكلها النهائي تقريبا ، وهو شكلها الحالي باستثناء زاوية سيدي عمر عبادة التي لم توجد بعد في ذلك العهد. اما الجامع الكبير، فلم يعد في وسط المدينة بل قريبا من اسوارها ومقابرها لان قسمها الشمالي تهدم اثر زحف الهلاليين عليه و لم يبن بعد ذلك ابدا ". فالقيروان التي يوصّف هنا عبد الوهّاب بوحديبة هي القيروان الحسينية بتونس في القرن الثامن عشر.
 فماذا يرمّّم في قيروان تونس اليوم،  تونس في العشرية الاولى من القرن الواحد والعشرين؟
 تكتب صحيفة "التونسي "  في تحقيق  لها حول القيروان وهي تستعد لاحتضان هذه التظاهرة  الثقافية  المتميزة " عمليات الترميم التي تشهدها المدينة اقتصرت على معالم مشهورة و ظاهرة للعيان والتي تعتبر جزءا من مجموع المعالم التي تزخر بها المدينة في العمق و بين الازقة والاحياء  حيث توجد عدة معالم اخرى اقدم من جامع عقبة لم تجد حضها  من التعريف واندثرت دون ان تجد من ينقذها..." هذه العينات من السوسيولوجيا المعرفية والاعلامية والفتوغرافية من الوعي التاريخي  يقودنا الى اعتبار ثان  يباحث  امتداد الرباط الديني و يناقشه بعبارة للاستاذ  الدكتور  الحبيب  بولعراس  و هو اعتبار  يصل " القيروان التونسية" بـ "القيروان الحسينية " و يتوقف عند ما يؤلف بينها  طوال  السّفر  في  الزمن .
يباحث الحبيب بولعراس الم اهل المكان  ممن لهم بقايا عاطفة :  " اذا اريد تبرير الرباط الذي كان موجودا بين الاغالبة مثلا و الحكم العباسي في بغداد او بين البايات و الحكم العثماني في اسطنبول انتقل الحديث الى مستوى الدولة الاسلامية و اعتبر ان الرباط الديني غير رباط التبعية السياسية. لكن هذا الرباط كان يمكن ان يبقى مع الامويين في قرطبة  لو انحاز امير القيروان الى الدولة الاموية بدلا من العباسية ، فالاختيار له معنى من الجهتين : بغداد و القيروان ضد قرطبة. و اذا كان لابد من رباط ديني بين القطر و الخلافة ، فكيف نحكم على الادارسة الذين استقلوا بالمغرب الاقصى ؟ ".
اعتبار اخر  ياتي بقلم   دربير  في كتابه " المنازعة بين العلم و الدين"  يرتحل بنا الى ما قبل قيروان الاغالبة حيث يكتب  " ان اشتغال المسلمين بالعلم يتصل باول عهدهم باحتلال الاسكندرية سنة    638م  اي بعد موت محمد بست سنوات و لم يمض بعد ذلك قرنان حتى استانسوا بجميع الكتب العلمية ّاليونانية. و قدروها قدرها الصحيح. و لمّا ألت الخلافة  الى المأمون سنة813م صارت بغداد العاصمة العلمية العظمى في الارض"  و يكتب جوستاف لوبون في كتابه "حضارة العرب" : "و ما وفّق له العرب في مصر اتفق لهم مثله في كل بلد خفقت فوقه رايتهم كافريقية و سورية و فاس", " ان جامعات المسلمين كانت مفتوحة للطلبة الاروبيين الذين نزحوا اليها من بلادهم لطلب العلم و كان ملوك اروبا و امراؤها يفدون على بلاد المسلمين ليعالجوا فيها..."  فلماذا لم بيق من هذا الارث الا  " روح القيروان "   كحضور للقدسي  وحده  و بإرث معماري  هو  بعض بقايا  الاغالبة  والحسينيين؟
 اكادميات البحث العلمي في التراث المادي و الاّمادي و  الفلكلورولوجيا،  والتابعة اليوم لـ"وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والتكنولوجيا "  ومؤسسات المجتمع المدني من جمعيات و منظّمات  وهيئات ثقافية سياسية  عٌليا  للمجلس الاسلامي  و باحثين هم  بصدد مقاربة حقائق الاشياء و حقائق الاوضاع باحائية مغايرة تماما لاحائية تضعها الباحثة الجزائرية دلال لواتي موضع اتهام و محاكمة حيث تكتب :  "  و مهما كانت مبررات الاقصاء لدى مؤرخ العصر الاسلامي الوسيط، " فلم تكن العامة في مخياله الاّ غوغاء و همج" [...] فلقد كان من الضروري التمهيد للموضوع لمعرفة التطور العمران يالقيروان  و ذلك بالكشف عن تاسيسها الروحي الذي اصبغ عليها صفة الحاضرة [..] و مع ذلك لقد تبيّن من خلال رصد مظاهر الحياة الاجتماعية في الماكل و الملبس و المسكن و الاحتفال بالاعياد و المناسبات ان مزيجا من المؤثرات العربية الاسلامية مع ما كان موجودا من مخزون بربري و بيزنطي ساهم في خصوصية مغربية القيروان[...] و قد زادها البعد السياسي وجاهة باعتبار المركز السياسي التابع اداريا لبغداد، مركز الوالي". نشير هنا لاعمال الدورة الاولى  للمعهد العالي للدراسات التراثية حول مفهومي "التراث المادي" و "التراث الاّ مادي".
 فاذا ما ادركنا ان الثقافة،  في مدلولها  المدرسي المعمّق  تبقى  جوهريا  واقعة  نصيّة،  انتجها او تمثلها ملكة الترميز  باسقاطات  الوعي المتكلم من المكان او في المكان او للمكان،  فهل يمكن اختزال الثقافة العربية الاسلامية في  القيروان  في " ثقافة القران"  و " الدعوة المحمدية " ؟ و هل في احياء المعالم و ترميمها نفس للقران   فالقران - على حد تقدير عبد الوهاب بوحديبة -  " يتضمن اطارا عقليا  برمته و ليس مجرد وحي انزل قديما على محمد صلى الله عليه و سلم. انه كلام تاسيسي بلا شك، و لكن يتعين اعتباره دوما حضورا للقدسي في التاريخ و ناقلا للاحداث و ارتباطا متجددا بالاصول[...] و لقد اوكلت للمرتلين مهمة تمكين المؤمنين من تقبل النص القراني و ادراكه في صيفاته و كذلك مهمة الاستبانة عما لا يستبين "   ذلك ان  " هذه  السمات القدسية - حسبه -  تجلت بطرق مختلفة، سواء على مستوى الاشكال او على مستوى النفس  الذي وحد بين رؤى العالم، و التصرفات الفردية  او الجماعية، و الرموز، و التصورات الحياتية  العادية ".
هذا " الاطار العقلي" ما هي امتداداته الفكرية بما ان بـ" القران " و بـ"اسم الله" فيه  ندخل مباشرة  عالم الغيب بشهادة لاناسة في القيروان يحكمها  منطق السوق " للبيع " كما ثبتتها عدسة الفوتوغرافي بيار فالي  في " مدن منسية ".  
 اما عن " السنّة " فان الدراسات  المعاصرة في "الاسلاميات " لا تكاد تخرج عن  موقف العلامة ابن خلدون الذي خبر هذا المكان و الّف في " المبتدا و الخبر"  في تاريخ  العجم والبربر  و ما جاورهم من السلطان الاكبر"  حيث يكتب : " و لم يزل القراء يتداولون هذه القراءات و روايتها الى ان كتبت العلوم و دونت فكتبت في ما كتبت من العلوم ، و صارت صناعة مخصوصة و علما منفردا  و تناقله الناس بالمشرق و الاندلس في جيل بعد جيل[...] وقد جمع المتقدمون فاوعوا، الا ان كتبهم و منقولاتهم تشتمل على الغث و السمين و المقبول و المردود..."  "  اما الفكر الاسلامي المعاصر فانه ينص على " انه ما من  ما من شك  في  ان الكتاب و السنة  يتمتعان في صلب النسق  التقعيدي  الاسلامي le sytème normatif islamique  باولوية مطلقة،  لكن السّنة لم تكن نصا بل انها تبوات هذه المكانة لاحقا. فالسنة قائمة على الخبر و الخبر هو من باب معرفة الغائب بالشاهد "   هذا اضافة الى ان الدراسات المعاصرة في "الاسلاميات"  نبهت فيما  نبهت اليه  انه بات " من المعروف اليوم في الدراسات التي اهتمت بتاريخ الحديث النبوي انه  لم يحظ في عهد الرسول (ص) بمكانة موازية لتلك التي حضي بها النص القراني.  و لئن وجد بعض الصحابة من الدوافع الذاتية او الموضوعية ما حملهم على حفظ بعض الشهادات القولية و محاولة استعابها في ذاكرتهم او تقييد بعضها في صحف خاصة بهم فان هذا العمل كان محجوجا بالضرورة لانصراف عنايتهم الى النص القراني حفظا و تقييدا و تاويلا و تدبرا،  و اذا اضفنا الى ذلك عدم حرص الرسول على امر صحبته بتقييد ما كان يتلفظ به من غير القران و عدم حرص الخلفاء الاربعة الاوائل  على ذلك بل نهيهم عن ذلك خصوصا الخليفة الثاني عمر الذي توعد المكثرين  من الرواية،  فهمنا الاسباب التي ادت الى تاخير تدوين الحديث النبوي الى بداية القرن الثاني عندما دعت الحاجة الى تدوين العلوم في عملية منظمة اشرفت عليها الدولة المركزية . و ان من تاخر التدوين  ان جانبا كبيرا من الحديث النبوي روي بالمعنى و نقصد بذلك ان رواة الحديث تصرفوا في لفظه لاسباب مختلفة. و اذا كان الاختلاف بين العلماء يتجلى في تقدير مدى تساهل رواة الحديث افي الرواية بالمعنى فان الاتفاق يكاد يكون حاصلا بينهم على اعتبار الحديث النبوي نصا داخله الوضع  و الانتحال و حمّله المسلمون اراءهم و اختياراتهم الاجتماعية و السياسية قبل ان تبدا عملية نقد الحديث و تمحيصه"  
" القران يسكن قلب كل مسلم " بعبارة لبوحديبة  و في ذلك علاقة حميمية تمتّن علاقة الفرد بخالقه فمن المسؤول عن هدر الروح العلمي في الفلسفة و العلم و الفنون التي كان "المسلمون قد تفردوا بها " وكانوا  قد نشروها اينما حلت اقدامهم"؟
" لعل نظام الاجازة مسؤول عن ذلك الى حد كبير ".  فـ " من المحقّق  بتقدير لبوحديبة " ان علم القراءات لا يستنفذ ثراء العلوم القرانية  كما لا يستنفذ من باب اولى و احرى ثقافة القران لكنه يمثل نواتها المركزية التي قد تملا حياة باكملها . و على كل فقد ظل عدم الاكتراث بالتاريخ و قراءة القران و تامّله خاصيتين  مميزتين لثقافة القران".
 يكتب حسن حسني عبد الوهاب  عن" بيت الحكمة القيرواني "   و التي سمّيت كذلك كفرع عن بيت الحكمة ببغداد التي اسسها هارون الرشيد و تالقت في عهد ابنه المامون: "  اول جامعة افريقية للعلم و الترجمة...جلب اليها الاغالبة نفائس الكتب من اطراف العالم العربي، من العراق و الشام و مصر، كما الحقوا به بيت الحكمة ثلة من القسسيسيين المسيحيين. استقدموهم من صقلية التابعة يومئذ لملكهم . فانكبت تلك النخبة على ترجمة مؤلفات يونانية و لا تينية في شتى الموضوعات من فلسفة و تاريخ و جغرافيا و كب و نبات... و كانت هذه الترجمات تتم بمعونة رجال إغريقيين فتضلعين في العربية"  
و حتى لا يقفز الفكر العربي المعاصر في كل المسارات المتنوعة للمعرفة من  " الانسانيات " على التاريخ  تقول الباحثة  في تاريخ قيروان الاغالبة  دلال لواتي "  و لان كثيرا من  قضايا التاريخ الاغلبي مازالت قائمة لم تحسم بعد على الرغم من وجود مؤلفات جادة حول القيروان و دراسات اكاديمية عن الاغالبة وابحاث متخصصة تناولت قضايا اقتصادية و اجتماعية فثمة عنصر فاعل في  الاقتصاد والمجتمع والسياسة والفكر ظل  بمناى عن الاهتمام،  فلا نكاد نقف على دراسة متخصصة مستقلة حول عامة القيروان في العصر الاغلبي[...] لذلك تتخصص في هذ المسالة علميا و تنتهي الى القول "كان رفض العامة  مؤكدا عبرت عنه بمشاركتها في معظم الثورات التي ناهضت السلطة الاغلبية و انه على الرغم من كثرتها و عدم التنسيق بينها انهكت الامارة فمنذ قيامها الى سقوطها وجدت ان اكبر الاسباب التي ادت تصعيد الصراع بين العامة و السلطة هي البيعة و السياسة الجبائية[...] وهي الثغرة الاساسية مع ثغرات اخرى انجر عنها سقوط الامارة التي حملت هذا السقوط منذ نشاتها..."
 و من هنا فان سؤال لحبيب بولعراس "كيف نقرا تاريخنا؟  " لا يسافر متفرّدا لمّا اصبحت القيروان التونسية خاضعة لسيادة وطنية هي مرجع نظر مستقل، تحت لواء النظام الجمهوري منذ 1957  بوعي استقراء اللحظة التونسية في محيطها الدولي بقضايا و رهانات ظاغطة،  حيث يكتب الشاذلي العياري في مقاربة استراتيجية تٌعنى ب " السيادات الوطنية في ظل العولمة : " من منا يتطوع لانقاذ السيادات ؟...الجواب يبدو بديهيا : لا احد...،  لااحد اننا نعتقد ن وأد السيادات الوطنية على دق طبول العولمة و اخواتها لم يحن وقته بعد بل لعله لن يحين لا قريبا و لا بعيدا لان علاقتنا ب " الكوني" ستبقى دوما مشبوهة و متناقضة . فكلما اقتربنا منه الا و نزوعنا الفطري  الى الخصوصية والى التعددية الذاتية يزيد الحاحا : ان الصراع القائم مابين " الوطني" و "ما فوق وطني"- قديمه أي ما قبل العولمة و حديثه أي في ظل العولمة لا يعدو ان يكون انعكاسا لثنائية الكوني و الذاتي فينا، فكيف لا يكون هذا الصراع  اذن محورا جوهريا في المخاض المجتمعي الحضاري الراهن و الذي نمر به نحن جميعا معشر الانسانية المحضوضة و معشر الانسانية المنكوبة على حد السواء ، مخاض اسدل عليه زلزال 11 سبتمبر2001 الملعونة  ظلالا على ضلال و اضفى عليه ماساة على ماساة."   و يمتدّ حجم السؤال دوليا  بهذا الموقف من وزير مالية الولايات المتحدة في رد له على رئيس وزراء ماليزيا  الذي هاجم فكر  العولمة  : "  اعذرني  محمد ، على  أي  كوكب  انت  تعيش؟ انك تتكلم عن المشاركة في العولمة  كان ذلك يتضمن خيارا متاحا لك  العولمة ليست خيارا، و انما حقيقة  واقعة...  يوحد اليوم سوق عولمة واحدة و الطريقة الوحيدة الممكن ان تنمو فيها هي اللجوء الى سوق السندات و الاسهم  للحصول على الاستثمارات و بيع ما تنتجه مصانعك في اسواق العولمة التجارية كما ان اهم حقيقة حول العولمة هي ان لا احد يسيطر اسواق العولمة تشبه الانترنيت، كل يوم تحكينا بدرجة اكثر التصاقا و لا يوجد احد في مركز السيطرة ... قد يكون الشاذلي العياري محقا على مستوى نظري لكن عمليا،  الغرب لا يضعنا موضع الندية  الحضارية التي نعتقد  فما  فتأ  يقصينا  كتشويها  في يوميته  بسؤال   يتعمق يوما بيوم  اعلاميا  : " أي مستقبل لشعوب الجنوب في ظل العولمة ؟
 اذا ما بات المكان و سؤاله  " هو الزمان الاصيل لانفسنا، نمط الهوية الذي نتقوم به في كل مرة  و من ثم هو لا يكف عن ان يكون في كل مرة ، بل هو ما فتأ ياتي من المستقبل و يؤثث اللحظة التي نعيشها بنمط من الوطن. ان حرب امريكا ضد العنصر البدئي هي حرب ضد الوطن في معنى  انها حرب ضد  ما كان " التاريخاني الغربي الذي لا يكف عن الاقبال الى انفسنا من جهة    المستقبل "   لكن أي مستقبل حقيقة و ما موقف " الايسسكو"  و المنظمات العربية من هذه الاسئلة  التي تنم عن واقع  انما يهدد ليفعل، و اقع تربكه تشوهات النطرة المتسرعة  في "ورقة طريق" و قرار تصنعه اللحظة؟ و كيف يواجه شباب حاضر تونس مثل هذه القضايا و الاحتفائيات بما في ذلك من تضايفات "تضع بين السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي و الباحث و الكالب مفاصل الرؤيةالحاضرة و المقبلة  و تضع كافة احتمالات القرار الصائب و الممكن في رسم المستقبل؟؟
في ما يتعلق بمستقبل شعوب الجنوب فانها منذ 11 سبتمبر فعلا  تمركزت هيمنة ايديولوجية  استهدفت الاسلام باسم الحرب على الارهاب من اهم مبادئها :  "من ليس معنا  فهو ضدنا "، و ان ما يتغير هو مفهوم الاسلام " ان الاسلام هو من اسلم بالقيم الامريكية" : " قال بوش الصغير ان الحرب قائمة بين الخير و الشر ، اما الخير فيعني كل ما يتماشى مع القيم و المصالح بتركيبة قوى الظل  الامريكية  و  اما الشر  فهو  كل شيئ  ماعدا  ذلك " . ويبرر الراي العام  الامريكي،في طروحات دعائية  للفاعل الحضاري،هذه المقدمات في عبارة   كينث اولمان  عضو مجلس سياسات  وزارة  الدفاع " ليس من السهل ان نقول ان الاسلام دين مسالم. فاذا نظرت مليا الى الدين لعرفت نزعته العسكرية . و على كل فان محمدا المؤسس كان محاربا و لم يكن داعية سلام مثل المسيح". و يدعم  ذلك  اليوت كوهن وهو ايضا عضو مجلس سياسات وزارة الدفاع  و الذي  كتب مقالة افتتاحية لجريدة "وول ستريت " ذكر فيه " ان عدو امريكا ليس الارهاب و انما الاسلام المحارب الذي له ايديولوجية "  اما بات روبتسون احد مؤسسي التحالف المسيحي فقد ذكر في مقابلة تلفزيونية ان  " هذه خطوة حكيمة من الرئيس بوش حتى لا ينظر لهذه المسالة على انها حرب دينية، انها خطوة جيوسياسية لكن الاسلام له عداء قوي لليهود ، انه عنيف حتى النخاع"  .
هذه النماذج من زاوية رؤية الفاعل الحضاري الانقلوساكسوني  حاولنا ايجاد بعض نظائرها في التراث الادبي  للحضارة  العربية الاسلامية لما كان صيتها  كونيا ايّام القيروان الاولىو حاولنا رصد  كيفيات  تفكر دعاتها من المفكرين في مسامراتهم مع السياسي  لنشر قيمهم الاسلامية  فوجدنا لها صدى لدى التوحيدي و ابن المقفع على ان لا نذكر الا هؤلاء :
 " انكم تظنون انكم مظلومون بسلطاني و عليكم ولايتي لاموركم؟ كلا ...و لكن كما تكونون يولى عليكم  هذا قول صاحب الشريعة فينا و فيكم. و لو خلا كل واحد منا بعيب نفسه انه لا يسعه وعظ غيره و تهجين سلطانه  " (ابو حيان التوحيدي، الامتاع و المؤانسة، ج 3،ص  157)     اما ابن المقفع فانه كان اكثر فاعلية بنفس عملي نجد سنده في القران  " فمنتهى علم عالمنا من هذا الزمان ان ياخذ من علمهم و غاية احسان محسننا ان يقتدي بسيرتهم و احسن ما يصيب محدثنا من الحديث  ان  ينظر في كتبهم فيكون كانه و اياهم  يحاور و منهم يستمع "  ( ابن المقفع ، كليلة و دمنة ص99 ),
القران كمتن هذه الثقافة و عمادها الجوهري، يدعو الى الانفتاح و الاخذ  بالاحسن ، فعند الاية 18 من "الزمر" نتوقف لندرك هذا النزوع  الى " الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه،  اولئك الذين هداهم الله و اولئك هم اولو الالباب، "  والنص القدسي ذاته  يجادل  هذه المسالة في "الفرقان- 44 " : " ام تحسب ان اكثرهم يسمعون او يعقلون، ان هم الا  كالانعام بل هم اضلّ  سبيلا ". و حتى لا يستمرّ انتماؤنا الاى دائرة الانعام بمفرد "النعامة" و سياستها، كان  السؤال الاعمق مطروحا على " المائدة المستديرة للاساتذة العرب "  في دورتها 18- 2008 -  من جامعة ناصر الاممية  بالجماهرية العظمى :  " الامة العربية الى اين؟ ".  و السؤال له من الراهنية و العمق بما يشهد له "تسييس التاريخ بل قل تسييس المجال السياسي بحرفية تدعو الى تعديل السّاعة خارج المواقيت المحلية حيث ان رئيس المفوضية الاروبية  ـ-Jacque Santir -كان قد اكد من جهته منذ التسعينات " ان مشروع المنطقة التجارية بين الاتحاد اللاروبى و دول جنوب المتوسط لن تنجح  ما دامت الدول العربية منقسمة  اقنصاديا  في ما بينها موضّحا ان هذه المنطقة هي بذات الاهمية التى يحضى بها وسط و شرق اوروبا لدى الاتحاد الاروبي[...] وكل ما يحدث في بلدان الجنوب كما اعلن  " يؤثر على امن اروبا  و استقرارها  ".
 نحن اذن "  ازاء ديناميكية جديدة تبرز داخل دائرة العلاقات الدولية من خلال تحقيق درجة عالية من الكثاقة و السرعة في عملية انتشار المعلومات و المكتسبات التقنية و العلمية للحضارة [...] يتزايد فيها دور العامل الخارجي  في تحديد مصير الاطراف الوطنية المكونة لهذه الدائرة المدمجة و بالتالي لهوامشها ايضا"  بعبارة لبرهان غليون.
لاعتبارات  كهذه و اخرى مثيلات لها،  قد تكون اعمق،  كان سؤال السياسي في تو، في حديث له خص به مجلة " السياسة الدولية "  سؤال  الهوية  و  التموضع  متداخلين : "  من حقنا التساؤل عن مكانة البحر الابيض المتوسط و المغرب العربي ضمن مشاغل اروبا الموحدة و هل سيقع اعتبارنا بمثابة منطقة هامشية بالنسبة لهذا الفضاء ام بالعكس منطقة متنافسة و مندمجة و مزدهرة عل غرار دول الفضاء الاقتصادى الاروبي و دول اروبا الشرقية ؟".
النخب العربية،  و ازاء سيولة الاحداث في "النظام العالمي الجديد " و ازاء تنامي الوعي  ما فتات ترفّع في كلفة السؤال : " الأمّة العربية الى اين؟ "  بوعي ان الاجابة لا يقدها اليوم الايديولوجيون من الطليعة الفكرية  و انما الاعلاميين و رجال السّوق  و اصحاب المال و الاستثمار  و غيرهم من الفاعلين في "النيوميديا"  وبوسائلها.

          اما في ما يتعلّق بمشاغل الشباب ازاء الظرفية بضغوطاتها و  رهاناتها   فاننا نستثمر فضاء الاستشارة الوطنية للشباب 2008 " على مواقع " الواب" و الصحافة المحلية لنستفيد  من ملخص يكتبة فاتح الرحالي  عضو مكتب "منظمة الشباب اللبرالي"  في مقال له من " اجل اتحاد شباب ديمقراطي " :  " لقد عجزت الحركة الديمقراطية منذ مدة عن فك لغز اعتزال الشباب لاهم قضاياه، تنظيمات شبابية عقيمة ، منظّمات  في الماضي غير البعيد الخزان الحيوي الذي يضخ الساحة السياسية بكوادر نوعية لكننا نراها اليوم مهزوزة البنيان عاجزة عن الخروج من ازمتها،  اناس نصبوا انفسهم اوصياء فكر ضاقت افكارهم عليهم فقاموا بتصديرها في اطار لعبة قذرة و مصالح شخصية ضيقة الى هذه الفئة ...علينا الاقراربمحدودية التجارب التنظيمية الحزبية الموجهة الى الشباب، فالتنظيمات الخطية لا تستوعب المنزع الاستقلالي للاجيال الجديدة فالبديل الوحيد هو تنظيم ديمقراطي جماهيري موحد[...] ان اتحاد شباب ديمقرادي تونسي  مؤسس كنتيجة  لمنابر الحوار  التي نحن بصدد المشاركة فيها ، و هذا املنا سيكون الحل الانسب  في تكتل قوى الشباب التونسي  الذي اصبح يعي الرهانات المستقبلية القادمة ، على قاعدة ان و التحدي اليوم في عالم يجتاحني فيه الاخر  في أي زمان و مكان  لم تعد اثباتا للوجود بقدر ما هو اقتلاع للوجود l'existence arrachée.  مسائل عديدة على طاولة النقاش: بطالة اصحاب الشهائد العليا، الشباب في المناطق النائية من ذوي الاحتياجات الخصوصية ، التفسخ القيمي الاخلاقي، الغزو الاعلامي...( احصائيات الاسابيع التسع الاولى منذ انطلاق منتديات الحوار بلغت اكثر من 5الاف منتدى بمختلف انحاء الجمهورية  و قرابة  360 منتدى انتطم بالخارج  اكد فيها شباب تونس رغم عزوفه عن الاهتمام بالشان العام وعيه بشتى القضايا الجوهرية التي تلامس واقعه و تعبر عن تطلعاته و اماله ). اتحاد شباب ديمقراطي مؤسس  كنتيجة لمنابر الحوار التي نحن بصدد المشاركة فيها -(يضم عموم الشباب التونسي من مختلف  تنظيمات و حساسيات فكرية و ايديولوجية - اتحاد شباب ديمقراظي شعاره " تونس اولا"  [...] و المنجز من عملنا هو الذي يكشفنا لانفسنا و لللاخرين [...] بخلق فضاء وطني تقدمي يساهم في :
- رجوع الشباب الى الى دائرة الفعل السياسي و الخروج عن كل اشكال العزوف و التهميش
- التخلص فعليا من كل اشكال الوثاية الفكرية  و التي تخدم  غايات عرضية  لا تمت بواقع الشباب و مشاغله.
- تكتل  كل القوى الوطنية الشبابية و تعدد الافكار من شانه ان يحدث دينامكية فعلية .
- لامركزية هذا الفضاء من شانها ان تحقق لحمة و اندماجا فعليا بين شباب المدن و شباب الارياف
-المحافطة على الهوية و التمسك بالثوابت الوطنية في طل فضاء معولم لا يسمح لنا بفهم الحقائق الامن خلال شبكته...
لقد اثبتت التجربة ان ان الفكرة باهضة الثمن، و لو تنزلت على ارض الواقع لاصبحت قوة  مادية ضاربة بتوفر الارادة السياسية  لتحقيقها، و لكي لا تكون منابر الحوار بعد انجازها لاشيئ سوى الحوار، و لكي لا بصنف في دوائر الارشيف و على رفوف المكاتب و جب علينا استثمار  هذه الاستشارة الشبابية الفريدة من نوعها لني نجني ثمارها على قاعدة ان الفعل الحر هو عمل ننجزه في عالم نعيد هيكلته ".   اين نحن من منطق اسواق الحضارة العربية كما يحدث عنها    و ماذا يمكن ان  تقوله "القيروان"  الى الروح الغربية الاسلامية وهي مهددة في هويتها ؟ ما حاجتنا الى احياء تراث معماري لا يفي بمطلوب مجتمع  مدني صاعد بقوى  جديدة  متطلعة هي قوى المراة و العمال و الشباب  والفاعلين الاجتماعيين   في المجتمع المدني ، لعل هذا ما يتطلع اليه الشباب ، نماء الفكر بمفكرين في مستوى اللحظة التاريخية  التي نستهلك اذ  تكتب احدى  المتدخلات على بوابة  "الواب الخاصة"  ب " الحوار مع الشباب 2008 " في تشخيص للواقع الفكري  في تونس بانه واقع " تقليدي" ، فالى متى  الحداد  و  بوحاجب و....، و الى متى خواء او فقر المرجعية  الفكرية ؟ لماذا نعيد ترميم  اشيياء صمّاء؟

هل  في هذه التساؤلات  فعل  للبرالية  فكرية وجتماعية  تحررية؟
       انه فعل مجتمع يقرا و يؤمن بان القراءة هي المقدمة الرسمية للمواطنة و لا يمكن ان نقبل بفعل ليبرالية  اجتماعية  ما لم نقبل باعادة تعريف هذا المفهوم كما دعى اليه  الباحث المصري رفعت لقوشة سواء في كتابه "اللبرالية الاجتماعية"  او "  اللبرالية  و المجتمع المصري: الازمة و الدليل "،  حيث يتوضح  مفهوما،  بتبعات عملية نعمل على الاستفادة من تحليلات تتجذر في واقع و تحيل الى سياق هو سياق بناء الوعي الهووي ويؤسس لـ"المستقبلية"  من ذات التحليلات التي تلهمنا هنا في مسيرة احياء الذاكرة و الوحدة الثقافية للوطن العربي :  " مفهوم اللبرالية لا يملك- حسبه-  حضورا في وسائل " الميديا " المصرية المرئية و المسموعة، و في الحيز الضيق الذي يحتله في " الميديا"  فان الاحاديث لا تتعمقه  و لا تتيح له ان يكون موضوعا للمناقشة في برامج حوارية يشارك فيها الناس باتصالات تلفونية حية ، و على العكس تماما ، فالصوت الاعلى ذبذبة  و الاكثر حظورا في " الميديا "   هو الصوت الذي لا يكف عن الهجوم على اللبرالية و التعامل معها كخصم ثقافي و سياسي... ".
 في خاتمة  كتابه اللبرالية  و المجتمع المصري" ينتهي الباحث  الى القول : " الكتاب بسطوره  و شواغله اراد  ان يرسم طريقا و يمسك ببوصلتة . طريق تسبق اليه الشواهد الحاضرة  لازمة اللبرالية في المجتمع المصري ، شواهد صرّحت بتراجع شديد للاحزاب السياسية  و في مقدمتها (الاحزاب الليبرالية) في الانتخابات التشريعية  الاخيرة و بعجز كل الاحزاب (بما فيها الاحزاب اللبرالية) عن القيام بمراجعات فكرية و بانحصار حضور المفهوم اللبرالي و اللبراليين في " الميديا "  و باتساع رقعة التهميش في المكون الاجتماعي و بمعادلة سياسية مازالت تقبل بالاقصاء و  تعترض طريق الاصلاح السياسي[...]" و هذه الشواهد لم تنكشف- حسبه-  في فراغ ، و لم تات من فراغ فجذور الازمة  تتنفس و مازالت تتنفس ، فهناك نخبة  لا تبدو منسجمة في مكوناتها مع اللبرالية ، فهي لا تومن في - اغلبيتها - بالناس و تخاطب غرائزهم باكثر مما تخاطب وعيهم،  و الهجوم على الليبرالية هو احد موضوعاتها المفضلة في مخاطبة الغرائز [...] و لقد حملت مؤثراتها الى الثقافة  الشعبية و التي تعاملت و مازالت مع اللبرالية كمصطلح سيئ السمعة و رادفت بينه و بين الفردية غير المسؤولة ، و بينه و بين التفكك الاسري ، و بينه و بين عدم الالتزام الاخلاقي...،"    ساعد على ذلك " ان اللبرالية وجدت نفسها مدعوة لسداد فواتير لا تخصها و غير مطالبة بها ، فاتورة رفض الناس لبعض سياسات الغرب، و فاتورة بعض السلبيات التي صاحبت برنامج الاصلاح الاقتصادي ، و فاتورة مصادرة البعض و باسمها  للحقوق الديمقراطية للفقراء ...الخ.  كانت هناك حلقة مفرغة تنتظم فيها الشواهد و الجذور ، و كان لليبراليين المصريين محاولاتهم لكسر الحلقة  و لكن كانت لهم ايضا و بصفة عامة أخطاؤهم التي حالت دون ذلك.  و كان من بين الاخطاء  انهم لم يقتربوا من الناس بما يكفي و لم يشكلوا قاعدة اجتماعية لهم، و كان من بينها  انهم لم يطرحوا مشروعهم للمناقشة مع الناس، و كان من بينه انهم حاولوا التنظير لليبرالية  كأيديولوجية ، بالاضافة الى انهم لم يهتموا مبكّرا بازمة الطبقة الوسطى على الرغم من انها الوسيط الحامل لافكار اللبرالية [...] و يضيف  مناقشا ان " جذور ازمة اللبرالية لم تكمن فقط في النخبة او في ثقافة شعبية غير مواتية و لم تتلامس فقط باخطاء اللبراليين و لكنها كانت تكمن ايضا في الموروث التاريخي و تتلامس معه [,,,]
 فدليل الحركة بعبارة الباحث و الكاتب  المصري رفعت لقوشة، لا يكتمل الا بطرح  اشكالية الاسلام/ الليبرالية،  فهي محطة فاصلة على جسر الثقة بين الناس و الليبرالية،فلقدحملت الصفحات الاخيرة من الكتاب  ما يمكن  وصفه بقراءة جديدة للاشكالية و تفرعت القراءة الى محاولة الكشف عن الازمة المعرفية في الثقافة ا لاسلامية  بدور ينتظر اللبراليين و غيرهم لتجاوز هذه الازمة: فعلى مدى ثمانية قرون مضت لم يكن للعالم الاسلامي اسهاما مميزا في اثراء المعرفة الانسانية[...] محاولة الكشف عن التوحد بين القيم الدينية الاسلامية و القيم المدنية - اللبرالية قيم مثل : الفرد المسؤول و نفع الناس و الضمير الانساني و حقوق الكفاءة و المواطنة و الحرية و كراهية الظلم[...] فلا يوجد نص قراني او حديث نبوي يفيد حق الناس في انتخاب من يحكمهم وفي  مساءلته، و التاريخ الاسلامي عرف اكثر من طريقة لتداول السلطة ". "اللبرالية الاجتماعية  تقوّض كل ماهو تحيز الى صورة عمياء على قاعدة  " الفعل الحر"  لان " الغزو الثقافي الجديد"  و الوارد في  في المباحث  الاستراتيجية المعاصرة انما هو حمّال لمستقبلية بما فيها من وقع  جغرافيا ثقافية جديدة تحدّث عن " المواطن العالمي الجديد " و " انسان النيو ميديا "  مهما كان  انتماؤه " ، هي جغرافيا افتراضية بالمعنى الاجابي لعبارة " افتراضية "  تنميها ثقافة الصورة ووسائل الاعلام.  و في هذا  استحداث " لضرب من المواطنة العالمية تتحطم بموجبها الرابطة بين الانتماء و الاقليمية  اذ على الافراد ان يكونوا قادرين على ممارسة حقوقهم من جهة كونها كيانات بشرية و ليس من جهة كونها كيانات قومية "،   يعني ذلك " ان يتفكر الفرد انخراطه الخاص في جماعة او جماعات محدودة و في انتمائه الخاص اليها على ان يكون ذلك ضمن افق " العالم المشترك "  كما تحدث عنه الدراسات الاجتماعية المواكبة للثورة الثقافية و الفكرية الحادثة :  " فهو مواطن  يفضل استعراض فرادته على اظهار خصوصيته الى الاخرين و يفضل المبادئ على القيم و الافعال الواقعية على الوجود في مجموعه،  و الخير العام على خير الجماعة " أي "المواطن   الذي يفضل المؤسسة الجمهورية للمجتمعات الديمقراطية على التحفظ الاستبدادي للجماعات الثقافية ". وهي زاوية رؤية تسندها  الليبرالية الاجتماعية بسؤال : " لماذا انا ليبرالي ؟  يجيب رفعت لقوشة،  "انه ليبرالي بمعنى انه متفهم لكل فكر جديد و انه ليس اسير برامج فكرية تشده الى الخلف ولا هو اسير لنماذج اخرى دخيلة او مستوردة  و انما هو عقل منفتح لكل ما هو جديد " فـ " الوعي الحر هو ما تنشده الليبرالية و هو وعي يعبر عنه فرد كما يعبر عنه مجتمع و هو وعي يحرره كذا من الاكراهات الايديولوجية لكن لا يحرره من الخيارات و الالتزامات  فليس هناك ليبرالي بدون خيارات اجتماعية و سياسية و ثقافية... انه فرد مسؤول ...". نفيد الباحث بهذه الجملة الخبرية  التقريرية من الصحافة العربية :

لذلك حتمت السياسة الوطنية، سياسة التحول " ميثاقا وطنيا "منذ  1988  و "ميثاقا الشباب" 2008 سنده خطاب  " التحول": " لمن الوفاء لهذه الارض  ، بماضيها و حاضرها و مستقبلها ان يبلغ اخلاصنا لها مبلغا  لايكون معه بيننا من لا يسكن الى انتمائه الوطني  ولا يطمئنّ الى كونه تونسي المصير في طار حضارة عربية اسلامية التزمنا باثرائها و المساهمة في تجديد عهدها بنضالات الانسانية التائقة الى مزيد الوعي الصحيح بحقائق الاشياء...." و ذلك -حسب تقديرنا - لايكون الا   باعادة التعريف باللبرالية في خلفيتها الاجتماعية.., فهناك قضايا لابد و ان يطالعها الناس و يحاورونها...و هذا حقهم في اعادة التعريف... كانت النقاط على الحروف تؤكد على ارتباط اللبرالية في جذورها الاولى بالمجتمع المدني، فهي ليست ليبرالية يوتوبية و لكنها لبرالية اجتماعية و تؤكد على ان اللبرالية لا تسعى الى نفي الدولة،بل انها كانت فاعلا في تاسيسها[...] فلقد جمعت اللبرالية بينهما لتدلل على ان اللبرالية الاجتماعية ترفض الراسمالية الاحتكارية [...] و في اعادة التعريف ايضا هناك الكشف  عن موقف اللبرالية الاجتماعية المناوئ للفقر...ليس فقط لانها ترفض تداول الامتيازات و تحتكم الى القانون ، وليس فقط لانها ترفض التهميش الاجتماعي على النحو الذي نبّهت اليه  الباحثة الجزائرية، مما كان في "المدن المنسية"  مثل القيروان  بل في المدن التي لم تعد منسية اليوم بفضل المخططات الوطنية في " التاهيل الشامل"  و "التنمية المستدامة "  في القول : " و مهما كانت مبررات الاقصاء لدى مؤرخ العصر الاسلامي الوسيط، فلم تكن العامة في مخياله  الا غوغاء و همج رعاع اذا خرجت و تمردت و هي دهماء و سفلة ضغام اذا رضخت و استكانت"فهل هي نظرة درج عليها المؤرخون و اعتادوا عليها فوسمت بها لتصبح خاصية من خصائص الكتابة التاريخية التي اعتمدت التبدل الفوقي في الأٌسر و الحكاّم أساسا للتقسيم الزمني ام ان الانتماء الإيديولوجي و الطبقي لبعض المؤرخين باعتبارهم موظفين في البلاط و نماؤهم الثقافي و بروزهم العلمي يجعلهم يأنفون الكتابة عن العامة يقلل من شان مهمتهم؟ "  يجيب الباحثة المتالقة من الجزائر أستاذنا لحبيب  بولعراس :  "و لقد حمدت الله على ان هذا الجيل  لا يواجهون نفس الصعوبات التي واجهنا في جيلنا عند بحثنا عن تاريخنا و تاكيد ذاتيتنا الوطنية.   و اكرر الحمد و اغتنم الفرصة للاشادة  بالاساتذة  الذين عمقوا  البحث في المراحل التي مرت بها بلادنا من حسين فنطر الى عمار المحجوبي و الهادي سليم ومن محمد الطالبي الى فرحات الدشراوي ومن حسن حسني عبد الوهاب الى احمد عبد السلام و غيرهم من الجيل الذي اتى بعدهم و تتلمذ على ايديهم و هم كثر اذا عددنا بعضهم فقط " لأننا بدانا نكتب تاريخنا على ايدي مؤرخينا ".
وتواصل الباحثة بما سنجد له صدى في كتاب الاستاذ الباحث في السوسيولوجيا  المدينة  في " ثقافة القران،" لما تكتب  " كما بينت ان الفقهاء مثلوا سلطة علمية معارضة مارس السياسة وفق مبادئها و تشريعاتها و احتوائها للعامة فكانوا الزعماء الحقيقيين لها" يؤكد بوحديبة  هذا التشخيص من خلال دور جده الشيخ عمر  كقاض:" ذكرنا انفا دوره في التاريخ المحلي ، اذ عمل على احياءالسنة القضائية بإبطال ما جرت به العادة عند بعض مواطنيه من حرمان البنات من الميراث. فبفضله استرجعت البنت القيروانية نصيبها دون قيد او شرط -أي نصف نصيب الابن، لا محالة - بعد ان انتشر في كافة بلدان المغرب العربي ذلك العرف المنافي لروح القران و نصه[...]لكنه لم يتحفظ على العرف القيرواني الاخر و هو الذي يجعل الزواج بامراة ثانية رهينا بموافقة الزوجة الاولى".
هذه النزعة السباقة الى انصاف  المراة تستحق التنويه بعبارة استاذنا  في التدوين لمسيرة الشيخ المجاز في القرن الثامن عشر،  و اليوم اكثر لما تحافظ عليه الجمهورية التونسية من هذا السبق بضمانات حقوقية تؤلف لها "مجلة الاحوال  الشخصية" اوت ،1956 أي  منذ فجر الاستقلال الاول. و هذا السبق هو درع نيابة " المنظمة العربية للمراة " في تونس لسنتين متتاليتين" 2009-2011،    برئاسة السيدة ليلى بن علي حرم رئيس الجمهورية  و التي تثبت هذه الصورة لها مع احد الناشئة و قد كان فاز في مناظرة دولية حول قيم "الشراكة و المساواة  بين الجنسين"  في لوحة هو بصدد  توضيح  ما مال به الى الفوز ، لوحة تخلد هذا الرسام الفتي  و تخلد ايضا  االسياسية  التي ترعى هذه القيم التي  تميّز  تونس،  و بها   تتجاوز المناخ الاجتماعي و الثقافي لـ" الصّداق القيرواني " الشهير .

قوى المراة في تونس،  حقيقة قوى متطلعة، و بموقف  كمثل الرسالة التي توجهت بها السيدة ليلى بن علي " رئيسة المنظمة العربية للمراة "  الى السيدات الاول في المنطقة العربية  بطلب احداث " يوم عربي للمسنين"   من ذوي الاحتياجات الخصوصية. و لئن حاولنا تنزيل هذا النص في مرجعية  " ثقافة القران " سنلمس انه  يجد سنده في النهي في النّافخات  تأففا   و ضجرا : " و لا تقل لهما افاّ "  لما يقع و يوقع  فيه المسن  من  مصائب  و مآسي الوهن و شرور الكبر. و لئن كان القران قد  توجه االى الفرد المسلم عموما  " لمّا يبلغنّ عندك الكبر" فان سيدة تونس الاولى صعّدت المسالة الى مستوى مدني مؤسساتي سياسي  من شان "اولي الامر" حتى يكون هذا الضرب من التضامن برعاية دائرة الاوامر النافذة. وهي لبنة تضاف الى  "التضامن " كـ" قيمة " سياسية اخلاقية، وهي ضامن عملي - اجتماعي  يجعل من هذه الشريحة من الافراد مضمونا اجتماعيا و سياسيا و مدنيا في سلم القيم المدنية اخذ   شكل  القيمة السياسية و الاخلاقية في دوائر الاوامر بصفة عامة. و هذا النداء الى "لسيدات الاول" يعاضد  تحركها  - افقيا-  في مستوى "المجتمع المدني" كرئيسة جمعية " بسمة " التي تٌعنى بتشغيل المعوقين.
  و لعل عبارة "بسمة " بدلالتها  الموجبة  ضد سلوكات   نهى عنها القران : " و لا تسعّر خدّك للناس"، تجد مرجعيتها مباشرة  في "عبس و تولّى اذ جاءه  الاعمى... ". ف" بسمة " هنا تقابل " العٌبوس"  و تنفيه  ... و في " بسمة " ليست هناك مجرد  علامة سيميائية   و انما  احالة الى  فضاء  بات ارحب و اوسع و ارحم  لمن  لم تنصفه  الطّبيعة  بيولوجيا و اعاقت وجوده فكاد  يكون نسيا ... ففي "بسمة" استعادة لتوازن  نفسي و اجتماعي   ووجودي...  و من هنا ، و " القيروان عاصمة للثقافة الاسلامية "، يكون الخطاب  السياسي النسوي  الموجه خطاب  تحبين الذاكرة و بناء الوعي  المؤيد بالله و بكلامه القدسي : اعتمادا على " من احياها (النفس البشرية) فكانما احيا الناس جميعا/ المائدة 32)". هناك ايمان بالناس على النحو الذي تريده اللبرالية الاجتماعية الضامنة لهذه القيم و المؤمنة بالسعي الى تحقيق العدالة الاجتماعية" من خلال ارضية السياسة الاجتماعية.
وهذا طبعا يتحيّز في اطار السلطة الراجع اليها بالنظر و ما يدخل في خيارات القائد  المسؤول في مستوى  الهرم المؤسساتي القانوني الذي    يؤمن بالفرد كشخصية حقوقية و اخلاقية  باعتباره قادرا على تنمية قدراته في كل ضروبها...[...] و هذا المثال هنا هو الذي يجعلنا نورد هذه النصوص المطولة و التي تشكل في الاساس قراءة موازية لما هو متغير في البعد الاجتماعي و للسياسات التحديثية الناجحة  في الوطن العربي حيث يواصل رفعت لقوشة في الحديث عن لبرالية تاخذ بعين الاعتبار  "المستقبلية"،  و الذي لا يمكن ان تكون الا بمعطيات واقع يكون قد تاسس بعد ووفر لها الارضية التي تمكن من تحييد كل شعارات هي اماني اقرب منها الى واقع : "  ثم كان الكشف ايضا عن موقف اللبرالية الاجتماعية  المناهض للفساد المؤسسي -  ( بما هو انتهاكات و اختراقات للتراتيب و القانون )- و للبروقراطية المترهلة.
 السلوك السلبي للفرد تتحفظ عليه اللبرالية الاجتماعية و هي لا تطلب الفرد المسؤول فقط و لكنها تطلب ايضا   مبادراته   الايجابية"[...] و يبقى-  في اعادة التعريف - دورا اخر  للفرد المسؤول في تفعيل الاّمركزية بتبنيه لاستراتيجية " التنمية من  حيث نحن " و حل اشكالية الاستقراء المستقبلي بالرهان على تنمية الذات لما تستعيد ماضيها بعين حاضرها كما شددت على  ذلك الجمعية العربية التركية في دعوتها الى ارساء تقاليد احتفائية بـ "يوم القيروان"  في تركيا"  "  استنادا الى الجذور العثمانية التي الفت تاريخيا بين البلدين و المتواصل اليوم في علاقات التبادل الثقافي بين انقرة و تونس  بابعاد   متوسطية".
لاعتبارات   كهذه  اعتقد حقيقة مع اللبرالية الاجتماعية على معنى التحيز الى الوعي الحر ن الاطروحات المعاصرة  التي تتناول الليبرالية حاولت وتحاول تدمير ذاكرتها الاجتماعية . فلقد كانت تبحث  عن ليبرالية ايديولوجية او لبرالية براقماتية او ليبرالية  داروينية كانت بذلك  تبحث  عن اعلان موت اللبرالية ليتحرر المستقبل من التاريخ ...  
و لكن  الليبرالية الاجتماعية تبحث عن اعلان عودة  اللبرالية "    " كمحاورة  في مستقبل التاريخ  حيث تاتي " المستقبلية  كطريقة في التفكير تحاول ان تستكشف الممكن في الزمان القادم...وعيا بمستجدات فاعلة بامكاناتها المدخرة و بتضميناتها الحية ... و لكن الوعي الحر وحده لا يكفي ، فهناك وعي اخر ينبغي  ان تختزنه المستقبلية وهو الوعي بروح عصر المستقبل ... و الا فان رؤاها  الاستكشافية و سيناريوهاتها  الاستشرافية  تبقى معلقة في زمان بلا مستقبل...تماما مثل بعض احداث الماضي التي انسحبت الى زمان بلا تاريخ.  فاذا قبلنا بان المستقبل هو تاريخ فان علينا ان نقرا المستقبل...كما نقرا التاريخ، و في قراءة التاريخ...فمن المهم ان نعرف ماذا حدث و لماذا حدث وكيف حدث؟ و لكن من المهم ايضا ان نعرف ...هل جاء الحدث تعبيرا عن روح عصره ؟ فاذا جاءت الاجابة " نعم"...فهو تاريخ، و اذا جاءت الاجابة "لا"... فهو ماضي،  و كذلك بالنسبة للمستقبل...فكل استقراءاتنا  بصدده ينبغي ان يواكبها سؤال الظل : هل هي استقراءات تعبر عن روح عصر المستقبل ام لا [ ...]  فاللبيرالية لا تقبل بغايات نهائية ولكنها تقبل بشيئ اخر وهو ان الغاية في التاريخ هو البقاء في التاريخ [...]  فالانسان في مستقبل التاريخ لن يخلق المعرفة فقط و لكنه سوف يخلق معها، و بتلازم الادراك، المجهول ايضا ".   " عندما يعود المستقبل الى التاريخ، فان المستقبلية لا تعود دعوة للاغتراب عن الحاضر ، لانها ستعيد  -عندئذ - للاشياء معانيها، فهي تعطي للحرية في المستقبل معنى تاريخي ... و تعطي للارادة في المستقبل معنى تاريخي،  و تعطي للمجتمع المدني في المستقبل معنى تاريخي ...و تعطي للدولة في المستقبل معنى تاريخي..."  لذلك وبناء عليه كان لابد ان يكون في اعلان "اللايسسكو"القيروان عاصمة للثقافة الاسلامية 2009"  معنى تاريخي وسياسي وفكري-اجتماعي  تحرري تستفيد منه المجموعة الوطنية كملكة  ترميز تونسية متميزة  براس مال رمزي روحي حميمي وحضاري سيّار ... لذلك نطمئن الى احراجات لبرالية اجتماعية تسال وتباحث اكثر مما تنفعل و تجامل  فلا تركن الى ترميم لا يقنعها لانها وبعبارة احلام  مستغانمي تريد " تراثا حيا " حركيا  ياخذ بالاحسن العملي و الوظيفي،  ولانه ينفع الناس،  كان لابد ان ينتشر  في الارض .


اللبرالية الاجتماعية تجسدها في تونس واحدة من اعرق الجمعيات لها صفة "ملاحظ "  بـمجلس الامن الدولي  تعد اكثر من 25 الف أٌماّ منخرطة  في فروع محلية ودولية عبر الامهات في الاسرة المهاجرة حتى تكون " تونسية " اينما كانت،  هي  "المنظمة التونسية للامهات" و التي  تعتبر  من اهم مؤسسات المجتمع المدني في التنشئة   على قيم  " الفرد المسؤول " و المتطوّع بمبادرات فردية عن الامهات  وتحيل على مدى اهمية قوى المراة كقوة متطلعة لا نظير لها،  بسبق تاريخي في الحضور الفاعل.  المنظمة لها جناح  " لامهات المستقبل "  محليا و مغاربيا و عربيا بابعاد ثقافية سياسية فهي فضاء للتكوين السياسي ايضا للامهات، كان ليشخصيا شرف التمدرس الميداني منذ احداثها سنة 1992. ومن اكثر من الامهات احياء للتراث و للهوية العربية الاسلامية حرفية و تخصصات متنوعة في الروائح والمعطرات والمذاقات واللذائذ  المتنوعة بتنوع الجهات بمختلف فروعها ؟  اصدارات الجمعية وخاصة  كتاب متميز  في " التقاليد التونسية "  منتشر عالميا و لعل فرع "امهات القيروان" النشيط جدا، والذي لا يمكن ان يغيب عن هذه الاحتفائية  التي من المتاكد انها ستصنع حدثا متخصصا لاينتهي بانتهاء فعاليات 2009،  خاصة ان لتونس كما قدمنا نيابة " منظمة المراة العربية " في شخص حرم ريس الجمهورية و التي تزامنت فعاليات انشطتها مع انطلاق فعاليات القيروان عاصمة للثقافة الاسلامية. دون ان ننسى ان هذه الفعاليات تزامنت مع"اليوم العالمي للمراة"
و"الجمعية التونسية للامهات " هي في الاصل  مؤسسة اهلية "غير حكومية"، و لكنها كانت دوما سندا لخيارات التغيير ومبادئ الاستقلال و النطام الجمهوري وعيا بنسب الفقر و الامية التي ترصدها التفارير الاممية سنويا  فأبت ان تنزلق في شعارات المركبات النعتية  المضللة لتٌعنى بانجاح البرنامج الوكني لتعليم الكبار والوقاية من الاعاقة المبكرة  بمركز معتبر السبق في افريقيا، باشراف امهات  طبيبات متطوعات بلا حدود، واعتماد جهاز تؤلفه  امهات حقوقيات في حلقات تكوينية للتوعية الاسرية  الحقوقية  والارشاد القانوني الى جانب مركز اعلامية للرسكلة والتكوين في تكنولوجيات الاتصال الحديثة اضافة الى المشاريع الخيرية بمساندة اهل الفن و الابتكار و الابداع التي تعزز برامج "قفة رمضان و" جهاز العرسان" و "الالف محفظة " وغيرها من المساعدات التي يكون فيها العطاء بلا حدود من الامهات المتطوعات والملتزمات بلا حواجز مهما كان طابعها. فبهذه الجمعية و امثلها في معاضدة مجهود الدولة تراجعت مظاهر  بل حياة البؤس التي كان قد شرع في مقاومتها زعيم الاستقلال الحبيب بورقيبة الذي يستند الى روح القيم الدينية، رغم القراءات المتنوعة للفكر البورقيبي،  ففي  الخطاب التحسيسي في التحول بالمجتمع من العروشية الى سياقات المواطنة،   لنا من اروع ما يقرا في هذا الصدد كتاب محمد على الحباشي : " العروش  من النشاة الى التفكيك: ...وفي محاججة في  قيمة العمل استنادا الى نص ديني كان حاضر فيه تدليل على اطلاع عميق على النص القدسي  كسقف روحي لمجتمع في جوهره مليّ قبلي انذاك ...  ان " الاساس الذي انبنى عليه الحزب الحر الدستوري هو بصفة جوهرية هدم مابين  المواطنين من فوارق و مقاومة عدم الانسجام بين حياة الحضارة و حياة البداوة ....حتى تحل  الامة المتماسكة محل المستعمر الدخيل ... ان عروش تونس ... و ان كانوا اصحاب فضل كبير في الكفاح و ساهموا مساهمة كبرى في  معاركه في الوسط و في الجنوب و في الشمال ... فان فيهم نقطة ضعف يجب التنبه اليها لكي لا يذهب مجهود كفاحهم سدى وهي النزعة القبلية التي ينبغي ان نعمل على ابادتها..،" . كان ذلك في  حامة قابس في  24 نوفمبر 1956 مؤكدا ساعتها  في المكناسي ايضا  "
ان حزبكم لم يرتكز على الشعوبية القبلية بل قاومها منذ نشاته الاولى و الاسلام نفسه قضى على النزعة القبلية ...فحذاري ان تطغى على عقولكم هذه النزعة المخرّبة الهدامة. و هل يجوز لاحد ان ينسى الروابط التي تربط الامة باجمعها وهي روابط الدين الواحد و اللغة الواحدة و الوطن الواحد؟ ".   
 وهذا و كذلك ما يقرا للمؤرخ الهادي التمومي في كتابه " الاستعمار الراس مالي و التشكيلات الاجتماعية: اذ يكتب عن تلك الحقبة انه  "  استفحل الفقر في البلاد و انهارت الكثير من القيم الاخلاقية الى درجة ان الفصل 274 من قانون الجنايات و الاحكام العرفية الصادر سنة 1861نص بصريح العبارة على ان نباش قبور الموتى لاخذ الاكفان،  عقوبته السدم من شهرين الى ستة اشهر" بما ان الوضع يمر من سلب الاحياء الى سلب الاموات"
و يؤكد التقرير الاقتصادي و الاجتماعي للمؤتمر الخامس للحزب الحر الدستوري استنادا الى تقارير الاطباء ان ' ان اكثر من 65 بالمائة لا يصيبون في غذائهم اليومي كميات صالحة بل ان 54 بالمائة منهم في حالة مجاعة دائمة و حالة بؤس غذائي فادح..." كما يشير التقرير الى الفروق المنكرة في السكن "بين العمارات العصرية الانيقة و بين اكواخ الطوب المتراصة بين حي البلفدير و العمران و التوفيق و بين ارباض الجبل الاحمر و بن عروس و الملاسين و الجيارة.. و في كافة انحاء الجمهورية..."
 اما اليوم  " منذ نصف قرن ولد جيل الاستقلال في بيئة  اجتماعية جديدة حلت فيها العائلة الصغرى محل العرش و حلت المؤسسات التربوية و الثقافية وما رسخته من قيم و مرجعيات جديدة محل " المؤسسة "  القبلية ومرجعياتها التقليدية القديمة. " بعبارة الحباشي،   مرورا بتقييمات موضوعية   تكتب لحظة  المتحول و تبررها اذ و بعبارة لعبدالله عمامي  تسجل ان بورقيبة   ادرك  "  من العظمة  منزلة قلما ارتقى الى مستواها قائد سياسي من القيادات التي مارست الحكم غداة استقلال بلدانها .. و هذا الشعور كان يتغذى من من عبقرية الرجل كما تجلت خلال نضاله  من اجل الاستقلال و كما تجلت ايضا  من خلال  التوجه الاصلاحي الذي اعطاه لحكمه منذ الخمسينات. الا ان هذه العبقرية انطفات مع السبعينات و لم يبق من الرجل في الثمانينات الّا شبح خافت صار يمثل خطر على الرجل الاول في ما حققه من مآثر و مكاسب[,,,] و قد امكن لهذا الدور ان يؤدي وظيفته في الاصلاح و التسيير زمن الكفاءة الذهنية و القدرة الجسدية لكنه استحال الى كارثة سياسية مع استفحال العجز و تفاقم ماساة الشيخوخة...",
اليوم و قد حصل في مجتمعنا نسبة كبيرة من التمدرس و نماء مجتمع مدني ينادي باسم الحريات و القناعات الفردية بوعي اللحظة في اليومية، يكتب محمد مواعدة في  "الملاحظ،   " ان قضية الايمان قضية شخصية تبقى في نظرنا في مجال علاقة الانسان بربه، انها علاقة خاصة و ثنائية..."
 و اذا ما كان هناك وعي بان " النخب الحديثة زمن الكفاح التحريري كانت قد مارست خطابا مزدوجا  
كما تشخصه "اللبرالية و المجتمع المصري"  و يشخصه في تونس زياد كريشان منذ التسعينات
في "المجتمع المدني و المشروع السلفي" فهي لها تبعية فلسفة عقلانية لائكية و علموية و من جهة اخرى كانت كل شعاراتها تعبوية ذات بعد ديني واضح بل وقفت ضد كل محاولة لاصلاح الفكر الديني و تحديد منابعه ..." أي  قامت بعملية تسويغية للمسالة الدينية  حيث " ما ان حققت النخب الحديثة الاستقلال السياسي و تمكنت من جهاز الدولة حتى اصبح الامقول في خطابها واقعا معيشا "،  فلماذا تتجه الاتهامات الى بورقيبة و حده؟ أليست القضية قضية نخبة لم تسند المشروع المدني   و كانت تصفّي حسابات خاصة؟ و اذا ما كان بورقيبة يحضى بتاييد جماهيري الا نرى ان صدامه كان مع نخبة متملقة حسب تشخيص زياد كريشان في "المجتمع المدني و المشؤوع السلفي"؟.   
وقد توقّع بورقيبة هذه المعارضة و احتداد التناقض بين النخب الحديثة و النخب التقليدية " الى درجة القطيعة فحرص على خلق فراغ في الاطار الديني و ذلك بتجفيف المنابع : غلق جامع الزيتونة و قلّم الاظافر بحل الاحباس و القضاء الشرعي و جل الوظائف التي كان التعليم الزيتوني مدخلها بامتياز  ثم استغل التاييد الشعبي منقطع النظير الذي كان يحضى به فجر الاستقلال لادخال تغييرين جوهريين على الهيكلة الاجتماعيةو الثقافية للمجتمع التونسي: "مجلة الاحوال الشخصية" و"اصلاح التعليم و تعميمه ".
 بورقيبة كان وفيا لمشروعه التحديثي، فهل كان المشروع السلفي مقتدرا  انذاك عل حل ازمات " تولّدت و ترجمت عن نفسها من خلال الافلاس الاقتصادي  الذي صاحب تلك المرحلة من الثماننات ومن خلال شعور الاحباط و الفشل الذي تفشى لدى عشرات الالاف من الشبان الذين سيدركون انهم سيبقون على الرصيف لان مسيرة البناء و التنمية تعظلت في بلادهم بسبب تعفن لعبة السياسة و بسبب ما اوحى به هذا التعفن من حذر اصحاب رؤوس الاموال الذين شحت استثماراتهم سواء كانوا من التونسيين او الاجانب.." بعبارة عبدالله عمامي؟
يبدو ان الرئيس بن علي في منهجه انطلق من هنا: من تشريك النخبة في انتاج المسؤولية، مسؤولية انجاح "برنامج التغيير"  فكان "الميثاق الوطني" هو الوثيقة الرسمية الثانية والتي ضمنها "الثقافة التي نريد" كما هو بين من خلال الوثيقة الثانية بعد " البيان" في مفتتح هذا المقال .. و لعل في محتوى ما اورده الرئيس بن علي  الى الاحزاب و المنظمات الوطنية في كلمة الختام للمؤتمر الخامس لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي 30 اوت 2008، و يقول هذا كرئيس دولة و كرئيس الحزب : " نؤكد لهم سعينا الى تعميق الشراكة التي تجمعنا بهم و عزمنا على توسيع مجالات التشاور معهم في كل مجالات الحوار و التشاور معهم في كل ما يهم شؤون وطننا ".
اليوم و بعد نصف قرن من استقلال المغرب، " الملك محمد السادس، يقترح اسلاما عصريا في مواجهة التطرف و الاصولية و يطلق خطة لهيكلة الحقل الدينيّ! - انظر جريدة "العرب"، 29/9 / 2008.-  اما الرئيس المصري فانه منشغل بالانمودج التونسي فقد ورد في عدد الاسبوع الرابع من مجلة Jeune Afrique  ان الرئيس حسني مبارك اثر التفجيرات الدامية بتاريخ 26 فيفري  1993 عقد مجلسا  وزاريا  تمت خلاله مباحثة منح  تاشيرة  لحزب ديني و فد افرز الاجتماع موقفين :-  الاول  يتبنى موقف تونس وهو ان الدين عقيدة مشتركة تنظم علاقة الفرد بخالقه و لا يمكن ان يحتكرها أي تنظيم  بينما الحزب السياسي و الموقف الثاني يتبنى الموقف الجزائري قبل منع " جبهة الانقاذ" و اعتبارها منحلة. وبعد مداولات  طالت - حسب الصحيفة- ،  ضرب الرئيس مبارك على الطاولة حاسما : "الحل التونسي,, الحل التونسي حتى و لو كلفني حياتي... "
يهمّنا و يٌلهمنا  مستقبل تاريخ  و مستقبل تاريخ مجتمع و مستقبل مشروع مجتمع   يقول عن اطره الجوهرية  الان  المفكر و المؤرخ لـ"  الفتنة في عهد الاسلام الاول " هشام  جعيط، اصيل القيروان ايضا   : " لنا مدارس [...] جيدة و متميزة لكنها سجينة الاكادمية الضيقة مع تاكيد جديتها و علميتها [...] لكن التفكير مازال يعرف نقصا في الجسارة و في الثقة في النفس [...] فالسجال غير مدون و يعتمد على المشافهة  في النوادي في حين ان المطلوب هو الكتابة المعمقة ..." اما الرئيس بن علي فانه اتجه الى البحث العلمي و الى الدراسات الاجتماعية و الانسانية منذ الذكرى التاسعة للتحول   بالتاكيد على ضرورة ادراجها في اولويات  العاملين بالفكر من النخب مءكدا  " على ايلاء عناية خاصة بالبحث النظري في مجال الانسانيات و العلوم الاجتماعية لانها تمكن من انجاح التاهيل و تعميق الفهم" و ايمانا بحاجة اهل السيف لاهل القلم و التي كان لابد ان تتلازم بتصوّر ابن خلدون في "التعريف".
 مهرجان "ربيع القيروان" الثقافي في الشعر و الادب،  استظاف في بداية دوراته الاولى شاعر المراة و الهوية  التي انتقدها بشدة لفائدة " نسوية عربية"، نزار قباني، و  الذي   لوحق من اجل مسيرته القلمية.  و  لمّا حل ضيفا على القيروان في استقبال نسائي لا مثيل له تنفس في قافية : " ياتونس الخضراء جئك عاشقا "،  اما محمود درويش ، شاعر الهوية المجروحة، ف "جداريته  تخلّد  " ماذا ساقول لحبيبة اخرى بعد تونس  لو  احببت ؟"    تاكد ثابت في الثقافة الاسلامية  ان الشعراء  قول  بلا  فعل  باستثناء من ذات هذه الثقافة ان  للشّاعر المؤمن رابطة قلمية تكون بها الثقافة حقيقة واقعة نصية هي صدى للفرد المبدع  ينمي الحياة في الاناسة ويمتن نفعها.
اللبرالية الاجتماعية  تتحدث هنا بلغة الانسان المتاسس في الانسانيات او في " الائكية " او "العلمانيةفأي مستقبل حقيقة  لانسان  الاصول  الالهية  من جهة؟  وأي مستقبل لسكان الجنوب من جهة  اخرى؟ الجنوب كـ" خارطة مشاكل وادوات تفكير وامكانيات حياة  ناتجة كلها عن موقعنا داخل جغرافية العالم الحالى. فربما كان للخارطة راي لم نفكر به بعد. فنحن لسنا قبل الغرب او بعده وانما في جنوب الحداثة وهو وضع له من الفضاعة الفكرية ما يكفي ليمكننا من بناء سؤال فلسفى  يحترم جغرافية العقل اليومي التى تثوي على حدوده. ولا ننسى ان" العقل الغربي" هو ايضا تسمية جغرافية فحسب "  بتقدير الباحث فتحي المسكيني في 'جغرافية العقل اليومي" فالثقافة الجديدة التي يرمي السياسي في قيروان تونس المعاصر المحكومة اليوم "بمجلس جهوي" يسهر على تنميتها المحلية في اطار خطة تنموية وطنية " تاهيل شامل " و" تنمية مستدامة" التزمت في" ميثاق وطني " على ابراز" قدرة الانسان على تغيير واقعه بالمثابرة والتنظيم و هي تلك التي تكرم العمل اليدوي وتشيع التفاؤل الواعي بالمستقبل وتعزز روح الانتماء الى الانسانية جمعاء في يواجه وجودها و مصيرها من القضايا. لذلك فالمجموعة الوطنية مدعوة للمراهنة على الثقافة كبعد اساسي من ابعاد التنمية الشاملة وذلك بضمان حرية التعبير وتوفير ظروف العيش الابداع ووسائله" وهذا في القيروان التي ما فتات تحافظ على خصوصياتها التراثية و التي تعمل" الاسسكو" من خلال هذه الاحتفائية على مزيد التحسيس بقيمته الجمالية و التاريخية تقريبا للشعوب و ووعيا بضرورة حوار الحضارات التي كان لابد للحضارة العربية الاسلامية ان تبرهن من خلال احياء هذه المدن على انها ثابتة من الثوابت الانسانية. ففسقيات الاغالبة بالقيروان  شاهد تاريخي، تماما مثل حمامات  قركاج و دقة على اهمية تصرّف الاغالبة  في المياه  في الاوساط التي  تفتقر  الى هذا المكوّن الحياتي و الذي بات يشكل اليوم رهانات اقتصادية و استراتيجية في التضاريس التي تقل فيها المنابع و تجفّ ... و هذا الشاهد النصي المعماري في مجال المياه يقوم الى جانبه قبو كعسس يسهر عليه،  يمكن ان يملي برامج  حفر ابار واستحداث فسقيات  في الاوساط العربية الاسلامية التي باتت فيها منابع الماء رهانات في موازين القوى تماما مثل النفط و اسلحة الدمار الشامل...
وحتى لا تكون معالمنا التراثية جامدة و مّيتة لابد من توظيفها، فالقيروان اليوم مجلس ولاية منسجمة مع دولة "القانون و المؤسسات" التونسية  بقطب صناعي و فلاحي واعد  وقطب ثقافي واكاديمي متنوع  في حاجة الى مزيد  من المبيتات الجامعية  و السكن الاجتماعي  بتجهيزات التقنية و التكنولوجيات الحديثة لـطلبة علم  ومعرفة و باحثين   يطمحون  الى كسب رهانات الحدلثة و التكنولوجيا و الحضور الفاعل  والمتفاعل   بوعي اللحظة التاريخية و رهاناتها... اما بناء الجوامع فلا يكاد يخلو حيّ في تونس  سواء في المدينة العتيقة او في الاحياء الجديدة  من مسجد اعتبارا من ان "القران يسكن قلب كل مسلم " الى درجة الالتقاء بالجاحظ في اعتبار " ان صومعة المسلم بيته "  مع ان الجاحظ كان قد اعتبر المسجد في ادبّيته مكانا فدراليا  لما حّدث عن بخلائه الذين جعلوا المال في قمة الهرم الاجتماعي و باتوا "ايمة"  من اهل " الجمع و المنع " فهم في الاصل جماعة من المسجديين"  يجتمعون هناك  في المسجد  للحديث في المال. و من اكثر من الجاحظ و ابن خلدون حركة فكرية اتخذت لها من القران سقفا روحيا   و اطارا عقليا  نبه اليه عبد الوهاب بوحديبة  نجد صداه في هذا الاستفهام الانكاري من كلام الله : " افلا يتدبرون القران ام على قلوب اقفالها  ؟ "
من هذا المنطلق كان لابد من جذب هذا الحدث "القيروان عاصمة للثقافة الاسلامية 2009 الى مداره السياسي و الفكري و الجغر سياسي  للاحيائية الاسلامية المعاصرة بناء من قطبية منظّمات اسلامية  دولية نشيطة  تٌعنى بالتراث الروحي و الجمالي و الهووي الثقافي و تستجيب لروح العصر فنظيف الى المجتمعات المدنية العربية من حيث  تتاكد حاجة المسلم المعاصر اليها لمواجه قطبية راديكالية متطرفة لبعض الحكومات الدينية   التي  تحتكر  القيمة  و المعنى وتتحيز الى صورة عمياء بلا سلطان عرف و لا قانون يستثمرها الاخر فينا لملاحقة نواياه باسم "ملاحقة الارهاب " لدى الاقليات و العشائر و الاثنيات في الشيشان و في الكوسوفو و في السودان  كبقايا من التاريخاني  "الاسلامي"
 ا لملاحق هنا و هناك برغبة  الفاعل الحضاري في تصفية الدم  في العروق بعد تدمير افغانستان والعراق.
تكتب الباحثة التونسية  فاطمة علي في مقال لها بعنوان " ختان العقل ذاك الذي يؤرفنا "  : " ورغم هذا لا يجب ان تختلط علينا السبل، فمسالة ختان العقل و الفكر لدى المراة تتهددنا في المشهد العربي اكثر من أي وقت مضى اذ ان سلاح الاعلام المتطور ذاك الدي يتطلب الكثير من المال،  نجده يغمر المشهد العربي كمّا والمجتمع العربي مضمونا  بكل مكوناته.  اما من ناحية المضمون فوجدنا انفسنا في وضع مريب: فضائيات بقيم غيبية في التعامل المجتمعي و لا نقصد هنا النص القراني الذي نرفّعه عن بعض المهاترات الشائعة و التي تبثها بعض الفضائيات ذات المال الوفير، و لو دققنا قليلا لوجدنا ان ذات الفضائيات هي في تناغم مع الاستعمار لا في عداء معه[...] كثيرا ما تذكّر في تلك الام التي الفلسطينية التي فقدت ابناءها الاطفال في احدى غارات "مجزرة بيت حانون" بالخنساء، و كثيرا ما تذكر امراة  مشرئبة العنق تمشي كنخلة في بغداد ببلقيس سبأ،   و لكن الواقع و الحقيقة اليومية فيها الكثير من المخاوف و المخاطر  كانها بمجرد ان اتت اكلها في تونس  سوف تكون مثالا يحتذى في مجمل المناطق العربية. لكن ما حصل هو ان هذه التجربة العميقة تاريخيا و المحدودة جغرافيا و التي ترجمتها الارقام و الخطوط البيانية عندما يريد من يريد معرفة الدرجة التي وصلتها المراة في تونس بدات تتهددها براثن لا تحدث الا متى حط الاستعمار بنمطيه القديم و الجديد رحاله. كيف؟ فقد خطب مسؤول مغاربي في شعبه ليخص المراة  في  بلاده  بمقترح الاطلاع  بل  للاخذ من " مجلة الاحوال الشخصية " التونسية.
بيّنة و مهمة  اثارة قضية " الاستعمار القديم و الجديد"  لدى الباحثة فاطمة علي، لان الدراسات الاستراتيجية المعاصرة و التي يفيد بها سواء "الفكر العربي المعاصر' او "المستقبل العربي  ما فتات تحيل منذ اواخر القرن الماضي الى هذه الموضوعات حيث نستشرف ما دعت  اليه الباحثة في مقالها  " ختان العقل"،  في "الفكر العربي المعاصر "  من رد خبر برامج عمل الفاعل الحضاري : " و من ضمن الدراسات التي اولت اهتماما خاصا بموضوع المراة  " مشروع مسح قيم العالم"  " الذي يديره انغلهارت في جامعة ميتشغان،  و يركز على اجراء استطلاعات دورية لمعرفة التوجهات القيمية في العالم. و افرد هذا المشروع حيزا خاصا تتناول فيه اراء المستطلعين حول مساواة المراة مع الرجل و حقوق المراة. و يعتقد انغلهارت و نوريس ان الفرق الاساسي بين العالم الاسلامي و الغرب  ليس وجود او غياب القيم السياسية التي تعزز الديمقراطية في العالم الاسلامي كما تظهر ذلك نتائج الاستطلاع ، بل ان الاختلاف الاكبر يكمن في النطرة الى المراة و الى الحريات الجنسية. في هذا المسح تبدو الاجيال الجديدة في الغرب اكثر ليبرالية تجاه هذه القضايا بينما يظل العالم الاسلامي اكثر تقليدية في العالم."   المفكر صامويل هنتنغتون   منظر الفاعل الحضاري،  يروج لهذا المنطق : " فالديمقراطية  -حسب تقديره- لا يتم ترويجها الا اذا نتج عنها فوز الاسلاميين بالحكم و عدم انتشار الاسلحة يتم تقديمها كمواعظ لايران و العراق و لكن ليس لاسرائيل، و التجارة الحرة هي اساس النمو الاقتصادي". لذلك كانت اسرائيل، عسس في الشرق اوسطية  حتى تكون  هذه المنطقة  فقيرة  بثرواتها ب" سياسيين بلا مشروع سياسي و باقتصاديين بلا مشروع اقتصادي و بمثقفين بلا مشروع ثقافي" بعبار لمحمد اركون ، لذلك اقترن لدينا سؤال القيروان بسؤال في القدس "عاصمة للثقافة العربية"  حيث " سقط العدل على المدائن"  و حيث "الطفل في المغارة و امه مريم وجهان يبكيان"  وحيث الغضب الساطع "  وحيث الامل ب" ضرب وجه القوة  " حتى يستقيم  شدو " البيت لنا  و القدس لنا  و بايدينا سنعيد بهاء القدس " ...  .  
و لوعي بهذا قلنا ان قوى المراة  في تونس قوى متطلعة و بموقف :
تكتب الباحثة ام الزين بن شيخة المسكيني  استاذة الفلسفة بالجامعة التونسية  في تحليلا تها  في بناء الذات لكسب رهانات الحداثة و تاسيس الانسان -المواطن، او "الشخصية الجمالية " في منحى الاستتيقا، وتنتهي  الى ابراز مطلب  الفكر،  كمطلب  تقدمي يضيف الى البشرية نوعيا  اكثر مميحنّطها في قوالب  الاتّباع ، فما احوج الانسان اليوم - حسبها -  الى مثل  هذه الثيوديسا الاصيلة التي ترد الى الانسان ما له و  ترد عنه  في نفس الوقت ضروب التطرف و الشطط في استعمال الانسان نفسه وهو تطرف و شطط لم يفعل منذ قرنين من الزمن الا ان ضاعف كمية من شرور البشر بانواعه الثلاثة : الشرور الاخلاقية و تعاسة البدن و انتشار  الجريمة والظلم باشكاله . فاية لوحة يرسمها الانسان الحالي عن نفسه؟ و باي الالوان سيزينها وهو في كل ذلك قد ضيع منذ زمن كل حيله القديمة في مقاومة الشر و تبريره : صكوك الغفران لتبرير الخطيئة ، وتقوى النفس للتغلب على الام البدن و الحلم بالمدينة العادلة من اجل نقاهة نفسية  تجاه مختلف اشكال الظلم والجريمة. وفي غياب العدل الالهي و انحسار مناظق العدل البشري، اليس حقيقيا بالفلسفة ان تشتغل على ثيوديسا انسانية جديدة تخفف على البشر من وطاة " صدام الاصوليات.؟" و الملاحظ، في هذه اللحظة التي تتحدث فيها النخب السياسية و الفكرية عن "تأكل الاوطان" و امكانية "اندثار اللغة العربية" و عن "غياب دولة التكتلات العربية، تقوم منظمات دولية مثل "الايسسكو" و مختلف روافد المجتمع المدني العربية  الدولية ضد ما هو متناقض في الخطابات السياسية العربية و تشهد لما هو حاصل في تونس من التجربة الوطنية في مادة "حقوق الانسان" لفائدة "المواطنة"  الى درجة ان تقف سيدة اولى كـ"رئيسة المنظمة العربية للمراة" سندا لرئيس الجمهورية و دعما لخيارات "المواطنة" في حملة انتخابية و باجتماع نسائي عام مؤسس للتعددية الثقافية و السياسية بدعوى الى صناديق الاقتراع و التصويت " للأجدى" دون أي تحيّز، و هو حدث في تاريخ الفكر و السياسة العملية في الوطن العربي، فيه  بناء وعي و تاصيل هوية مؤرخ بيوم16 اكتوبر 2009، يشهد لـ : ليلى بن علي...حرم رئيس الجمهورية... تحيزت  في خكابها التاريخي الى "الاجدى" دون التنصيص على  مرشح التجمع الدستوري الديمقراطي و الورقة الحمراء  ... كان في منطق خطابها نفس   خطاب الوعي و تاصيل هوية دون تحيز في عبارات تشرف منطق الخطاب النسوي في الفضاء العربي :  التصويت لـ" لاجدى" ...فالجدوى و النجاعة هي المقدمات لـ" صيغة التفضيل "  كما تٌعين دلالتها القاعدة النحوية في البلاغة العربية ... رغم ان الرئيس بن علي استمد مشروعيته الانتخابية من القانون مع ان القانون في تونس قيمة ما فوق موضوعية،   و لا من العرف و انما من "المناشدة الشعبية " بما فيها احزاب معارضة و منظمات شغيلة و نخب   و كذلك  من المواثيق الوطنية  التي تحوي كل هذه الاجهزة المدنية... و المواثيق بما هي " نيابات اخلاقية" : "الميثاق الوطني 1988" و الميثاق الوطني للشباب2008...و هذا ليس مجرد تبرير  و انما واقع  لصاحب مشروع سياسي قدّم طروحات و نفّذها  في مواقيتها و قبل مواقيتها غالبا كان مبدؤه الجوهري العمل كقيمة غير مستظافة  و متاصلة و" قل اعملوا ... ". و النيابات الاخلاقية، و المناشدة هي التي تصنّع النواميس و الاعراف ... فكان النظريات  في الفعل السياسي تنقلب على محاسنها في تجربة الحكم  في تونس من 1987والاقفال تتنكر لمفاتيحها  بانقلاب من الجغرافيا على ضرب من جغرافيا  بشرية تشهد بانه ليس للانسان الا ماسعى بما ينفع الناس فيبقى  في الارض ... في خطاب سيدة تونس الاولى، تحدّ لصورة عمياء، هي صورة التطرف و الانغلاق و اعتبار الراي الواحد و هي عبارات حمل عليها السلب في خطابها التاسيسي لمرحلة مستقبلية بما يشؤف المراة التونسية وكل مراة عربية  تهمها شؤون الوطن و الهوية... كانت كلمات المغنى العربي  لغة  و ايحاء و جمالية حاضرة  و انيقة على لسان التونسيات في هذه الحملة الانتخابية بوعي الانتماء و الصورة المثبتة عن تونس منذ ان كان صاحب هذا المغنى قد زار  هذه الارض و جملها تجميلا في عيون المخيال العربي بما هو حقيقة و واقع :  " تونس ايا خضراء، يا حارقة الاكباد، غزلانك في "المرسى " و الا  في " حلق الوادي" ، (وهي مناطق ساحلية بحرية في الضاحية الشمالية من العاصمة) على الشطوط تعوم ... ما تخاف صيد المي ... حايد و كون حنون و لا تصيد يا خي ". و الدلالة كل الدلالة تجد مرجعها في "بساط الريح" و موقع تونس في وسطها الجغرافي العربي منذ 1956 توجها و رؤية و فعالية في عملية السّلام  في المنطقة  و خارجها ...
    انقلابات فكرية حقيقة حيث ان الدراسات المعاصرة  والتي حاولت استقراء " الموروث و فرضية القانون الوضعي البشري " كانت قد توقفت عند مستوى التقييم : " نحن لا نجد مثيلا لهذا التواصل الذاتي  في القانون و لا في الفلسفة  ولا في سائر العلوم و المعارف. فمنذ عهد التدوين قٌدس الفقه و جمدت احكامه و اغلق باب الاجتهاد و اقتصر دور الفقهاء على الشرح و الاختصار  شانهم في ذلك شان الفقهاء الرومان  في فترة ركود و انحطاط روما و تراجع صيتها و سلطانها و لذلك نزلت منزلة المجتهد المطلق المنشئ للمذهب الى منزلة المقلد و المحافظ"   هذا الى جانب احراجات معرفية  حقيقية كان لابد من الانتباه اليها و الوقوف عندها : " و لنا ان نتساءل ايضا عن مدى وجاهة الابقاء على  مقولات الماضي وهي التي اصبحت غير متجانسة  مع واقع مجتمعاتنا و لا هي متلائمة مع طموحاتها؟ [...] فكيف لنا ان نتجنبها و نحن ننادي بدولة القانون و نحن نرفع  مبدا المساواة على انه متاصل فينا  و كيف لنا ان لا ننظر فيها و نحن نطالب بارساء  نظام ديمقراطي قائم على سيادة الشعب المطلقة ؟ و كيف لنا ان نتجاهلها و حقوق الانسان باتت اهم محاور خطابنا السياسي؟ "  "استحالت علينا مثل هذه القطيعة  فبتنا سجناء الماضي  فاستمر غياب البحث التاسيسي للقانون  و فعلا لن يتعرض الفقهاء و لا الاصوليون و لا المتكلمون صراحة الى مسالة مشروعية القانون و لا الى مبررات صبغته الالزامية فلم يكن التاسيس للقانون و البحث في مشروعيته محورا من محاور العلوم و المعارف الاسلامية و لقد ساهم علم اصول الفقه على هذا الغياب و السكوت"  فحتى  محمد عابد الجابري الذي اراد ان  " يقرا التراث قراءة معاصرة لم يتحرر من هذه الاشكالية و قد يعود سبب ذلك انه لم يتبين اثار قراءته تلك لانه  لم يجعل من القانون احدى اهتماماته المحورية... لقد غابت عن الجابري البعض من اهم المشكلات في جتمعاتنا و منها تحرر القانون  و استقلال المشرع الوضعي سواء كان ذلك في ما ورد فيه نص او في ما لم يرد فيه نص" .
امال موسى   شاعرة  تونسية متميزة في " انثى الماء" خاصة،  و " كاتبة راي " في جريدة الشرق الاوسط الدولية " و باحثة في علم الاجتماع تثيير السؤال و كانها تؤسس لـ "مشروع سلفي "ذلك انه و ان تنوعت اساليب المقاربات  الوصفية التفسيرية ما عهدنا الاسلوب التقريري بروح المقاربات الموضعية  للتحليل النفسي :  "الى اي حد طغى التوتر بين الديني و السياسي؟ و ذلك في التجربة السياسية لبورقيبة في تونس  من 1956 الى 1987 : " ان استناد خطاب بورقيبة  السياسي الى " مفاهيم المصلحة  "و"الواقعية" و" البناء و "العمل" و"العقل" و"التقدم" و غيرها، يثير لدى الباحث فضول التعرف الى جدلية التوظيف و الاقصاء  بمعنى كيف تعامل فاعل سياسي صاحب مشروع " المصلجة " والمتاثر  بالتجارب الائكية كتجربة كمال اتاتورك، مع ماهو دينيوي بالخصوص بالنسبة الى قضايا صريحة الحكم في النص الديني مثل صوم رمضان و تعدد الزوجات وقضية التبني. فالهدف من طرح سؤال  جدلية التوظيف و التجاوز التي مارسها الفاعل السياسي مع المسالة الدينية في تونس هو التعرف الى الدين كقوة مؤسسة و كنظام و طاقة. و كيف حول الخطاب الرسمي الدين الى " عاطفة دينية " لا اكثر و لا اقل ". و في مقابل "علمنة"  الدين  و افتكاكه للسلطة الدينية حيث بوأ نفسه موقع المجتهد و الامام..." و في نفس الفترة التي تباحث فيها امال موسى يكتب محمد علي الحباشي استنادا الى الى ذات الخطاب الرسمي ابان الاستقلال موضحا "  ووضع الزعيم الحبيب بورقيبة الامور في نصابها بكل وضوح و صرامة عندما اٌشعر ابناء العروش و فرسانها بان العصر هو غير العصر و انه لا مجال بعد ذلك اليوم لاي مظهر من مظاهر التشبث بامجاد القبيلة التي ولى عهدها و انقضى :" و اليوم اريد ان اعيد على اسماعكم ما قلته بقفصة  وهو انه لا يمكن ان يظل الفارس بدون عمل يرتزق منه او ان يجعل همه من ركوب الخيل الاغارة على الناس او ان يستنكف من خدمة الارض بدعوى انها من خصائص الضعفاء و صغار الفلاحين و الفقراء . اما هو  فيرتزق بواسطة جواده و بندقيته . ان هذه النفسية يجب ان نقضي عليها و تندثر الى الابد. فالفروسية رياضة لا غير(ز مدين3 جانفي 1964) و يواصل علي الحباشي: " كان المجتمع التونسي انذاك مكبلا بذاك الفكر الخرافي الموروث من عصور  الانحطاط و كان و ما كرسته من بدع في مختلف اصقاع العالم الاسلامي"...ان احتقار العمل  شاعت في العصور المظلمة التي كانت فيها الامة منقسمة الى طبقات : طبقة الفرسان وهي العليا، و طبقة المتوسطين ويتاالف عادة من ابناء الزوايا الذين تحوطهم هالة من التقدير  بدعوى انهم ينطوون على على بركة توارثوها من اجدادهم ، و طبقة سفلى هي طبقة العمال الذين يحرثون الارض و السياط تلهب ظهورهم ، اما ان  يكونوا ضحايا ابناء الزوايا  فيحملوا اليهم ما تحصلوا عليه بعرق الجبين طلبا للبركة او ضحايا الفرسان المغيرين، و هذا الوضع هو الذي آل بالأمة التونسية الى التفكك و الضعف و التخلف و حرض علينا الاستعمار الذي اذلنا جميعا فرسانا و ابناء زوايا و فلاحين و عامة"( سيدي بوزيد20 اكتوبر1964)  و اوكد ما تحتاجه الامة التونسية هو الغذاء و الشغل لانها تقاسي الامرين من جراء الجوع و البطالة فقد اثبتت البحوث التي قام بها العلماء و الاطباء - و خاصة الطبيب الفرنسي اتيان بربيرني  " كما قدمنا -  اكثر من 65 بالمائة من التونسيين  لا يصيبون في غذائهم اليومي كميات صالحة بل ان 54 بالمائة منهم في حالة مجاعة دائمة و بؤسغذائي فادح "  كما لا يفوت الباحث  الوقوف عند  المرتكزات الجوهرية و ابرازها  " ان عروش تونس...و ان كانوا اصحاب فضل كبير في الكفاح و ساهموا مساهمة كبرى في معاركه في الوسط و الجنوب و في الشمال كبني زيد و الهمامة و الفراشيش و ماجر وورغمة و المثاليث و جلاص[ قبائل القيروان] " و غيرهم  و كانت لهم يد على هذه الدول و التي قامت على سواعد الشعب الذين هم جزء منه- و ان كانوا كذلك فان فيهم نقطة ضعف يجب التنبه اليها لكي لا يذهب مجهود كفاحهم سدى وهي النزعة القبلية التي ينبغي ان نعمل على ابادتها ".

 ولذلك ايضا  " كان من المهمّ جدّا العمل على التوثيق العلمي بمختلف اللغات لفعاليات "القيروان عاصمة للثقافة الاسلامية 2009" وما خرجت به من نتاج علمي و ثقافي لاسيما مشروع إصدار موسوعة عن القيروان ومصنفات وإصدارات عديدة على غرار الأعمال الكاملة لابن الجزار" كما اشاد بذلك الدكتور محمد العادل رئيس جمعية "تاسكا" مكبرا  "تقدير الجمعية التركية العربية للجهود التي بذلتها وزارة الثقافة والمحافظة على التراث في تونس ، و الايسسكو ، والمعهد الوطني للتراث ، و بيت الحكمة ، و المعهد العالي لتاريخ الحركة الوطنية ، والجمعية التونسية لعلم الأنتروبولوجيا ، واللجنة الوطنية للتربية والعلوم والثقافة والمكتبة الوطنية و اليونسكو ، و غيرها من الهيئات و في مقدمتها وزارة الشؤون الدينية  و جمعيات " احياء تراث المدينة " لانجاح هذه الاحتفالية الدولية فالقيروان". و  أكّد العادل في ذات السياق  " أن ( تاسكا ) باعتبارها جسر ثقافي بين العرب و الأتراك
حرص على إحاطة الرأي العام التركي لاسيّما النخب الفكرية و الثقافية الإعلامية و الهيئات الأكاديمية التركية بأهمّية هذه الاحتفالات و الأنشطة النوعية التي تشهدها القيروان من الندوات الفكرية و الملتقيات الثقافية والمعارض والمهرجانات والعروض الفنية و الأمسيات الشعرية" كما   أوضح الدكتور محمد العادل أن " فعالية يوم القيروان في أنقرة ستشمل محاضرة أولى بعنوان " القيروان وإشعاعها عبر العصور " و محاضرة ثانية بعنوان ( القيروان في عيون الأتراك ) و معرضا يعكس الخاصيات المعمارية للقيروان، وعرضا آخر لصور خاصة التقطتها عدسة مصوّر تركي محترف في مدينة القيروان ، مشيرا إلى أن الجمعية التركية العربية ترحّب بأية إسهامات من قبل وزارة الثقافة و المحافظة على التراث أو أية هيئات علمية و ثقافية تونسية أخرى في فعالية يوم القيروان في تركيا...".  نفيد  الجمعية العربية التركية من هنا،  ان هذه الفعاليات تتزامن مع "السنة الوطنية للاستشارة حول الكتاب، والاحتفاء بمأوية المسرح التونسي و بمأوية  العلامة الفقيه الطاهر بن عاشور،  وبمأوية  الشعر والقصة القصيرة  في احتفائيات بالشابي وبعلي الدعاجي في الشعر و القصة القصير و في هذا تدليل ان المسارات المتنوعة للرؤى  الثقافية و الفنونية  منها والروحية انما هي  وان تتزامن اليوم لتتداخل  هي التي  بها يكون هذا   الكل الذي نسميه اليوم "الروح التونسية"،  والتي  نظيف اليها المسار التعددي للاحزاب السياسية  كتجربة حادثة في سياسة "التحوّل"  في  تونس المعاصرة و التي ارتاى حزبين  احدها من اعرق الاحزاب و هو حزب " حركة  الديمقراطيين الاشتراكيين "  في مؤتمره 2008، الى مساندة  مرشح رئيس التجمع الدستوري الديمقراظي الرئيس زين العابدين بن علي و حزب ثان  له خياراته و منطقه الجدير بالذكر هنا  في شخص  امينه العام السيد منذر ثابت . علما ان ثلاثة مرشحين يتقدمون الى هذه الدورة الانتخابية الرئاسية الى جانب الرئيس بن علي بما يضيف الى المشهد السياسي التعددي  ابتداء من اواخر  شهر اكتوبر 2009، حتى لا يقول  المغرضون  ان " التعددية في تونس عقيمة، بغير "برامج"  تماما مثلما قيل في التسعينات ان المشروع التقدمي لفائدة المراة " شكلاني"، حماية سياسية اكثر منها وجود و كيان و هوية و انتماء  فاعل...
 ومن جهة ايماننا  بعبارة لمحمود درويش ان " الاوطان تلاحقنا "، كان لابد ان نكون من  القيروان  في تركية و لاجلها  ايضا   مع الاتراك في تركيا ...  وايمانا ب " اذا  ناديت باعلى صوتك  و رد الصدى
" من هناك "  فقل للهوية شكرا ".
   في درسه الافتتاحي على مدارج " كلية الاداب و العلوم الانسانية" من جامعة  صفاقس،  ثبّت الطلبة و الباحثين و رفوف المكتبة و  في - صورة بطيئية-  ذات المحاضرة "كيف نقرا تاريخنا؟" و   التي سعينا الى ان تكون وثيقتنا المرجعية للخروج مما املاه عنوانها من   حيرة معرفية  و ذلك منذ اكثر من عشر سنوات،  لها من الراهنية ما يدفعنا للتذكير بما جاء في خاتمتها و نحن في مفتتح سنة جامعية و سياسية ساخنة  كالصدفة بمضمونها : " فليس صحيحا ان الدعوة لتاكيد الذات الجماعية المتميزة بوطنها مسقط راس ابناء شعبها دعوة ضد الانتماء الى حضارة اوسع او روحانيات اعلى مرتبة في سلوك الانسان و القياس الفاصل بين مختلف الدوائر هو المصير المشترك[...]
لقد حرصت في هذه الاسطر على ان اتناول الموضوع من زاوية رؤية قراءتنا نحن لتاريخنا.و ان نزعت الان الى التعميم فذلك لانني اعتقد ان الموضوع واحد بالنسة لقراءتنا لتاريخ الاخرين مثلما ان الامر واحد عند قراءة الاخرين لتاريخهم.  فالتثبت



العلمي في حقيقة الاحداث شيئ و قراءتها شيئ اخر، و لست اقصد ان تتصرف  في الواقع ليأخذ القالب الذي نطمح اليه فذلك يكون تشويها و ضربا من ضروب اصطناع القومية الذي نبه الى خطره برودال  بل اقصد ان النظرة الى ذلك الواقع بعد التثبت العلمي على قدر ما تسمح به امكانات البحث ، ينبغي ان تكون نظرة التونسي.  فالبريطاني عندما ينظر الى تاريخ اروبا ينظر له على  اساس التفريق بين ما يسميه " القارة" و بريطانيا العظمى، و الروسي ينظر لنفس التاريخ كما لو ان كل احداثه تزاحمت لتمنع روسيا من الامتداد غربا او الوصول جنوبا الى البحر المتوسط. فهل يعتبر إفراطا  في الوطنية ان نعتز بان الشعب الذي عاش فوق هذه الرقعة التي اسميها تونس اجتهد منذ غابر العصور على ان يكون متميزا ومستقلا؟ "
 بنفس الروح الوطنية و العلمية كان ابن  رشيق القيرواني، و الذي تفكّر بحنينه الى وطنه بالصورة الشعرية  لما تنفس بدوره  في  كتابة ذاته  من خارج القيروان:
"  يا قيروان وددتٌ  انّي  طائر
فأراك  رؤية  باحث  متأمل"

ولمّا  كان "الصدى" قد ردّ   من هنا  في تونس،  و من هناك  خدمة  لعيون الاتراك  لمد جسور  الثقافة العربية قيها،  وفي هذا اكثر من دلالة،  فليس  لنا  الاّ  ان "نقول للهوية"،  في شخص " الاسسكو" و الساهرين على شؤون الهوية بها  الاّ  شكرا  لما وفّرته لنا هذه المنظمة الثقافية  من سانحة صدق اللقاء بها في القيروان في مفتتح الفعاليات الاحتفائية  فكريا  و فرجويا   تنمية  لراس مال القيروان   الرمزي و الواقعي اليوم    فلم تفوت علينا- مشكورة-  فرصة استعادة طرح سؤال جدّي، سؤال المعاصرة للتاريخ : " كيف نقرا تاريحنا ؟  " كيف نتموضع ؟ حتى يقع اعتبارنا كيانا حرا من ناحية و مندمجا من ناحية اخرى...؟ " و الذي  عنه  تفرع سؤالنا " ماذا يمكن ان تقوله لنا و بنا،  القيروان اليوم و للراي العام  العربي و الدولي  ايضا ؟ " بنا " اعتبارا الى انتمائنا الى مرجع نظر "تونس اوّلا".
 و شكرا لـ "الجمعية العربية التركية للثقافة و العلوم و المجتمع المدني"( تاسكا) و  التي وفرت لنا فرصة ان نقول القيروان بعيوننا و بعيون من يتوق الى ان يكون بيننا في  القيروان  فيخلدها بالذكر و الاشهار  لمن   يحتضنها   صدفة لا  تنغلق على  اسرارها لانها  افريقية  مغاربية  متوسطية  اممية،  دينها الاسلام و لغتها العربية كما ينص عليها دستورها كجمهورية  تونسية يشهد تاريخها البعيد و القريب والاني انها  الشمس كلّما غابت الا لتخرج على صباح الاناسة بلا قطر و لا بلل  و لا اثر ندى كغواص ماهر لا تعيقه ملوحة  البحر ...

رفيقة بن مراد
استاذة الفلسفة و الجماليات
كلية الاداب و العلوم الانسانية
جامعة صفاقس. تـــونس
عضو الجمعية العربية التركية (تاسكا)

Follow us on Twitter @TRENDNewsAgency