د. ماهر حميدوف يكتب: أذربيجان في مواجهة حلقة جديدة من مسلسل الاحتلال الأرميني

صور: د. ماهر حميدوف يكتب: أذربيجان في مواجهة حلقة جديدة من مسلسل الاحتلال الأرميني
 / نزاع ناغورني كاراباخ

نالت أذربيجان منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر نصيبها من السياسات العدوانية للأرمن، الذين سيطرت عليهم أحلام بناء "أرمينيا الكبرى"، وسَعوا لتحقيق ذلك من خلال السيطرة على أراضي الآخرين.

خضعت جمهورية أذربيجان التي كانت أول بلد في العالم الإسلامي يتبنى النظام الجمهوري الديمقراطي للاحتلال السوفييتي عام 1920 وتمكنت عام 1991 من إعلان استقلالها عنه.

وما أن أعلنت أذربيجان استقلالها، حتى شنت أرمينيا المدعومة روسيًا حربًا على الجمهورية الوليدة، و تمكنت حتى عام 1993 واحتلت 10 محافظات بشكل كلي غربي أذربيجان (5 من تلك المحافظات فقط تشكل إقليم قره باغ)، إضافة لأجزاء واسعة من محافظتي "آغدام" و"فضولي"، وهو ما يشكل 20 بالمئة من مساحة الأراضي الأذربيجانية.

عمدت القوات الأرمينية على تهجير الأذربيجانيين من المناطق المحتلة، وقد تسبب ذلك الإجراء بمعاناة إنسانية كبيرة لم تستطع السنوات العشرين الماضية من محو آثارها التي لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا.

عانت أذربيجان خلال العقود الماضية بفعل الحرب التي شنتها أرمينيا ضدها، سيما أن تلك الحرب قد خلفت نحو مليون نازح، انتشروا في معظم المحافظات الأذربيجانية وخصوصًا العاصمة "باكو"، إلى جانب معاناتها من الاعتداءات المستمرة، التي يشنها الجانب الأرميني على المواقع العسكرية والمدنية انطلاقًا من الأراضي الأذربيجانية المحتلة غربي البلاد.

دأبت أرمينيا خلال العقود الماضية على قصف المناطق المدنية والعسكرية في أذربيجان، وكان ينتج عن ذلك القصف سقوط قتلى وجرحى من المدنيين بينهم نساء وأطفال، إلا أن حدة التوترات قد تصاعدت خلال الأيام القليلة الماضية، بعد ازدياد الخروقات من الجانب الأرميني، واستهداف المناطق المدنية بأسلحة ثقيلة، وقد رافق ذلك بالطبع عودة الاهتمام الدولي والإعلامي بهذه القضية.

عاودت أرمينيا خلال الأسابيع الماضية انتهاك اتفاقية وقف إطلاق النار المبرمة بينها وبين أذربيجان عام 1994، حيث تعرضت محافظة "قازاخ" الأذربيجانية (شمال غرب)، ليلة 26 مارس/ آذار الماضي، لقصف عنيف مصدره القوات الأرمينية، وقد أدى القصف الذي استخدمت فيه الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، إلى مقتل وجرح العديد من المدنيين والعسكريين.

صعدت أرمينيا خلال هذه الفترة من خطواتها الاستفزازية، وقد أشارت المعلومات الواردة من فرق الاستطلاع الأذربيجاني، بقيام القوات المسلحة الأرمنية بنقل كميات كبيرة من الذخائر والأسلحة المتطورة ودفع مزيد من القوات باتجاه محافظات "آغدره" و"آغدام" و"فضولي" المحتلة، واستنادًا إلى ما سبق، أدرك الجانب الأذربيجاني مسبقًا، عزم أرمينيا على القيام بخطوات استفزازية وتصعيدية في المنطقة.

استغل الجانب الأرميني إجراء الرئيس الأذربيجاني "إلهام علييف"، زيارة رسمية إلى الولايات المتحدة الأميركية، في 30 مارس/ آذار الماضي، لشن هجوم خاطف، فبدأت القوات الأرمينية ليلة 1 أبريل/ نيسان الجاري، باستهداف المواقع العسكرية والسكنية في الداخل الأذربيجاني بالأسلحة الثقيلة.

قابلت القوات الأذربيجانية تلك الاعتداءات بحزم، ما دفع الجانب الأرميني إلى وقف إطلاق النار، والدفع بتعزيزات جديدة من أسلحة وقوات عسكرية باتجاه الأراضي الأذربيجانية المحتلة، للبدء بهجوم جديد، وذلك استنادًا إلى معلومات قدمها فريق الاستطلاع الأذربيجاني.

عاودت القوات الأرمينية مجددًا وشنت هجومًا واسعًا ضد الأراضي الأذربيجانية، ليلة 2 أبريل/ نيسان الجاري، مستهدفة المناطق السكنية بأسلحة ثقيلة، إلا أن الجيش الأذربيجاني لم يكتف هذه المرة بالرد على مصادر النيران وإسكاتها، بل شن هجومًا معاكسًا عنيفًا، وأظهر ردة فعل حازمة، وهو ما لم يكن في حسبان الجانب الأرميني، سيما وأن القوات الأذربيجانية، تمكنت خلال الهجوم المعاكس من استرداد بعض المرتفعات الإستراتيجية التي كانت محتلة من قبل أرمينيا منذ أكثر من 20 عامًا.

أظهر الجانب الأذربيجاني خلال الأحداث الماضية، مستوًا عالٍ من الاستعداد المادي والمعنوي، الذي يمكنه من الاستمرار بهذه الخطوة الحاسمة والتقدم نحو عم الأراضي المحتلة، إلا أن أذربيجان واستجابة للنداءات التي وجهتها دول العالم والمنظمات الدولية، دعت يوم 3 أبريل/ نيسان الجاري أرمينيا إلى وقف إطلاق النار، لكن أرمينيا لم تستجب لتلك الدعوة إلا بعد ضغوط ونداءات شديدة اللهجة وجهت إليها من قبل دول العالم، ورغم الإعلان عن اتفاق لوقف إطلاق النار، إلا أن أرمينيا واصلت خرق الاتفاق والقيام بعمليات قصف عشوائي ضد الأراضي الأذربيجانية بين الفينة والأخرى.

عمدت أرمينيا خلال الأحداث الماضية، على تقديم معلومات كاذبة للمجتمع الدولي، محملة الجانب الأذربيجاني مسؤولية الهجوم الأول الذي وقع على خط التماس بين الجانبين، علمًا أن المتابعين للشأن في المنطقة، يجمعون على أن المرتفعات الاستراتيجية الأذربيجانية التي تحتلها أرمينيا، شكلت على مدار أكثر من 20 عامًا برؤة ومركز انطلاق للقوات الأرمينية في عمليات القصف التي تقوم بها، مستهدفة القرى والتجمعات السكنية الأذربيجانية، وقد شهدت المنطقة مئات الخروق والهجمات الاستفزازية من الجانب الأرميني.

قوبل الاعتداء الأرميني الأخير، بإدانات واسعة النطاق من دول العالم، وقد أعربت تلك الدول وقوفها إلى جانب الشعب الأذربيجاني، وصدرت بيانات واضحة في هذا الشأن، في الوقت الذي اعتبرت فيه بعض الدول الداعمة لأرمينيا تلك المواقف والبيانات أنها تشكل تحريضًا ضد أرمينيا، علمًا أن الدعم الذي قدم للشعب الأذربيجاني لم يتعدى الدعم المعنوي، والإعراب عن الوقوف إلى جانب مطالبه المشروعة، ولم يتم تقديم أي دعم عسكري من تلك الدول إلى أذربيجان، التي هي أصلًا ليس بحاجة إلى أي دعم من هذا القبيل.

إن المتابع للشأن الأذربيجاني يعلم علم اليقين، أن الدول التي سوقت لتلك الاتهامات الجائرة، والتي مفادها تلقي أذربيجان دعمًا عسكريًا خلال الاعتداءات الأخيرة، هي نفسها الدول التي لم تذخر جهدًا في دعم السياسات العدوانية لأرمينيا سياسيًا وعسكريًا لسنوات طويلة، لكي تواصل سياسة الاحتلال والتغيير الديمغرافي في الأراضي الأذربيجانية.

كشفت أذربيجان دولةً وشعبًا، عشية الأحداث الأخيرة، حقيقة السياسات العدوانية الأرمينية أمام المجتمع الدولي، سيما وأن الحكومة الأذربيجانية أعلنت مرارًا وتكرارًا عن رغبتها بإنهاء الاحتلال الأرميني لأراضيها عبر الوسائل السلمية، إلا أن أرمينيا واصلت تعنتها رغم تأكيدات الأمم المتحدة أن أرمينيا تحتل فعليًا أراضًا أذربيجانية، وقد أصدرت المنظمة الأممية في هذا الصدد 4 قرارات أدانت من خلالها أرمينيا.

قابلت أرمينيا القرارات الأممية بمزيد من التعنت واللامبالاة وعملت ولا تزال تعمل على توطين آلاف من الأرمن الذين انتقلوا إليها من سوريا، في الأراضي الأذربيجانية المحتلة، لزيادة أعداد السكان من الأرمن في تلك المنطقة، وخلق واقع ديموغرافي.

من جهتها أذربيجان، عادت لتأكد مرة أخرى خلال الأحداث الأخيرة، عن رغبتها بالتوصل إلى تسوية سلمية للقضية، وذلك عن طريق المفاوضات، لكنها أكّدت أيضًا قدرتها على تحرير أراضيها من الاحتلال الأرميني، في حال فشل الوسائل السلمية في ذلك.

لقد أثبتت الأحداث الأخيرة، أن الدولة والجيش الأذربيجانيين، باتا اليوم يمتلكان قوّة وعزمًا لا يمكن مقارنته مع الحالة التي كانت قائمة في تسعينيات القرن الماضي، وأنهما قادران على توفير الحماية لمواطنهما، وضمان عودة نحو مليون نازح، يتوقون لرؤية أراضيهم التي سلبت منهم عنوةً.

الكاتب.. د. ماهر حميدوف أستاذ بفرع الشرق والغرب في معهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية أذربيجان الوطنية للعلوم

Follow us on Twitter @TRENDNewsAgency