إرادة الشعوب في تحقيق الاستقرار

صور: إرادة الشعوب في تحقيق الاستقرار  / وجه النظر

بقلم : أحمد عبده طرابيك- تعلم الشعوب علم اليقين أن تحقيق أحلامها وطموحاتها لا يأتيا إلا وسط أجواء من الاستقرار الإجتماعي والسياسي ، ولذلك فإن الشعوب تسعي في حراكها الديمقراطي إلي تحقيق الاستقرار السياسي الذي يعتبر البيئة الخصبة لنمو الأوطان وتقدمها ورقيها ، وتأتي الانتخابات بكافة أشكالها البلدية أو البرلمانية أو الرئاسية كأهم أداة تبحث خلالها الشعوب عن من يوفر لها بيئة الأمن والاستقرار الذي تنشده ، حتي تتفرغ للبناء والتنمية ، وتحقيق حلم الوطن في الاستقلال والعزة والتقدم ، فالشعوب لا تريد العيش في ترف تغيير قادة وحكام البلاد ، وإنما تضطر إلي ذلك بغية البحث عن الاستقرار المنشود ، وعندما تجد ضالتها في قائد يحقق لها ذلك ، فمن حقها أن تمنحه ثقتها طالما أوفي بتوفير ما تريده وتبحث عنه .

في ظل أجواء الاستقرار التي شهدتها أذربيجان خلال العقدين الماضيين استطاعت أن تحقق طفرة اقتصادية كبيرة من خلال توظيف الكثير من الاستثمارات في القطاع غير النفطي ، حيث بلغ احتياطيات النقد الأجنبي أكثر من 48 مليار يورو ، وقد استفادات أذربيجان من عائدات النفط في إصلاح الهيكل الاقتصادي للبلاد في القطاعات غير النفطية ، الأمر الذي أدي إلي تفوق الاستثمارات غير النفطية عن القطاع النفطي لأول مرة منذ عام 2010 ، كما بلغ حجم الاستثمارات في مختلف القطاعات الاقتصادية نحو 26 مليار دولار عام 2012 ، كما أن التطورات الصناعية السريعة في أذربيجان خلال السنوات الماضية أدخلت البلاد في قائمة الدول الصناعية ، فقد تم افتتاح أكثر من 500 مؤسسة صناعية وأصبح التصنيع في البلاد يسير بخطوات كبيرة ، الأمر الذي أدي إلي تقليل نسبة البطالة إلى 5 % ، كما تم توفير مليون ومائتي ألف فرصة عمل خلال السنوات العشر الماضية ، كما تحولت أذربيجان من دولة مقترضة إلى دولة مانحة .

أصبحت أذربيجان من الدول الهامة علي خريطة السياحة العالمية ، لذلك تم إنشاء وزارة للسياحة عام 2006 ، الأمر الذي زاد من عدد السياح للبلاد بشكل مضطرد ، ففي عام 2008 زار أذربيجان مليون وثلاثمائة سائح ، وفي عام 2012 زارها مليوني سائح ، وتم إعداد برنامج الدولة في تنمية المنتجعات في البلاد خلال الفترة من عام 2009 إلي عام 2018 . الأمر الذي شجع العديد من الفنادق العالمية لافتتاح أفرع لها في مختلف مدن أذربيجان .

وضعت حكومة أذربيجان أهدافا محددة منذ عام 2003 ، للإرتقاء بمستويات المعيشة للسكان ، من خلال تطوير الخدمات الصحية والتعليمية والبحث العلمي ، فبينما بلغ حجم النفقات للرعاية الصحية عام 2003 نحو 69 مليون يورو ، زادت في عام 2008 إلي 558 مليون يورو ، ووصلت في عام 2013 إلي 666.3 مليون يورو ، وفي مجال التعليم بلغ حجم النفقات عام 2003 نحو 243 مليون يورو ، بينما وصلت في عام 2013 إلى 1.5 مليار يورو ، وفي مجال البحث العلمي بلغ حجم ميزانية البحث العلمي 28.8 مليون يورو في عام 2005 ، وصلت إلى 130.5 مليون يورو في عام 2013 ، كما تطور مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بشكل كبير ، الأمر الذي جعل أذربيجان من الدول الصاعدة في هذا المجال ، وذلك عندما أطلقت في عام 2013 أول قمر صناعي للفضاء .

وإذا كانت أذربيجان قد استطاعت تحقيق تلك الطفرة الكبيرة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، فمن حق الشعب الأذربيجاني وحده ، وهو الأقدر علي اختيار من يكمل معه مسيرة البلاد في التقدم ومسايرة البلاد المتقدمة ، واستكمال أحلام وطموحات الوطن الأسمي في تحرير كامل التراب المحتل من قبل أرمينيا ، والذي لم ولن يتحقق إلا من خلال وحدة أبناء الوطن وتكاتفهم في وطن ينعم بالأمن والاستقرار والازدهار .

في التاسع من أكتوبر 2013 كانت أذربيجان علي موعد مع استحقاقات الإنتخابات الرئاسية ، التي تنافس فيها عشرة مرشحين من بينهم الرئيس الحالي إلهام علييف الذي يحظي بشعبية كبيرة نظراً للإنجازات التي حققتها أذربيجان خلال السنوات العشر الأخيرة من حكمه ، رغم التحديات الكبيرة التي واجهتها البلاد ، وفي مقدمتها إحتلال أرمينيا 20 % من أراضي بلاده ، ووجود أكثر من مليون لاجئ ومهجر هربوا من جحيم البطش الأرميني في المناطق التي تحتلها ، إلا أنه استطاع أن يقفز ببلاده فوق الصعاب ويحقق لشعبه الاستقرار والرخاء .

أشرف علي مراقبة الانتخابات منذ مراحلها الأولي ثلاث وخمسون ألف مراقب ، من بينهم 1295 مراقبا دوليا يمثلون مائة دولة ، وخمسين منظمة دولية في مقدمتها منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ، والجمعية البرلمانية التابعة لها ، والجمعية البرلمانية للمجلس الأوروبى ، والبرلمان الأوروبى ، ورابطة كومنولث الدول المستقلة ، ومنظمة الديمقراطية والتنمية الاقتصادية ، ومنظمة التعاون الإسلامى ، ومنظمة البحر الأسود للتعاون الاقتصادى ، ومنظمة التعاون الاقتصادى ، ومجلس البلدان الناطقة بالتركية ، وغيرهم ، بالإضافة إلي العديد من منظمات المجتمع المدني المحلية المهتمة بالديمقراطية وحقوق الإنسان في أذربيجان .

ولأن أذربيجان عضو في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ، والعديد من المنظمات الأوروبية ، فإن الاهتمام الأوروبي بالانتخابات الرئاسية كان علي درجة كبيرة من الاهتمام ، لذلك فإن أذربيجان تحرص دائما علي أن تكون جميع الانتخابات بها تحت اشراف المنظمات الأوروبية ، وأن تكون العملية الانتخابية وفقا للمعايير الأوروبية ، ولذلك فقد تميزت الانتخابات الرئاسية التي جرت يوم التاسع من أكتوبر بالإقبال الشديد من قبل الناخبين ، حيث بلغت نسبة المشاركة فى التصويت 72.31% من إجمالي عدد الناخبين البالغ عددهم خمسة ملايين و145 ألف ناخب ، وقد حصل الرئيس الحالى إلهام علييف على نسبة 84.55 % من الأصوات الصحيحة للناخبين .

وكما جاء فى البيان المشترك الصادر فى 13 أكتوبر 2013 ، فى مدينة " بودفا " بالجبل الأسود ، فى جلسة الجمعية البرلمانية لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبية المكرسة للانتخابات الرئاسية فى أذربيجان ، أن العملية الانتخابية جرت فى مناخ من الحرية والنزاهة والشفافية ، على نحو مهنى سليم وهادئ ووفقا للمعايير الأوروبية وأشار المشاركون إلى التنظيم الجيد للانتخابات ، وعدم تسجيل أية انتهاكات ، وكذلك كان كلمات رؤساء وفود كل من الجمعية البرلمانية لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا " دوريس بارنت " عضو البرلمان الألمانى ، " جيورجي تسريتيلى " نائب رئيس الجمعية البرلمانية لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا .

أشار " ميشيل باوزن " رئيس بعثة المراقبة قصيرة الأجل لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا ، إلى أن تقرير مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان ، الذي انتقد دون الاستناد لأي أسس موضوعية العملية الانتخابية ، لا يعكس وجهة نظر مراقبى الجمعية البرلمانية لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا ، والجمعية البرلمانية للمجلس الأوروبى ، والبرلمان الأوروبى ، وأن الانتخابات الرئاسية فى أذربيجان قد مثلت خطوة هامة نحو الالتزام بمعايير المجلس الأوروبى ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا ، كما أكدت رابطة كومنولث الدول المستقلة على أن الانتخابات قد جرت بصورة ديمقراطية موضوعية وشفافة ، كما وصفت بعثة المراقبين على الانتخابات التابعة لمنظمة التعاون الإسلامى أن العملية الإنتخابية كانت ناجحة وحرة ونزيهة ، وتشكل انجازا هاماً نحو ترسيخ الديمقراطية فى أذربيجان .

كعادة كل الانتخابات في معظم دول العالم الثالث فإن المعارضة التي لا يحالفها التوفيق دائما ما تعلق فشلها علي أن الانتخابات قد سادها تجاوزات ، مستندة علي تقارير لبعض المنظمات التي تعمل لحساب بعض الجهات التي تحركها بعض الدوافع ، من أجل إثارة الرأي العام ، وإحداث أجواء من التشكيك في المؤسسات الوطنية بهدف زعزعة الاستقرار في البلاد ، والتي لن يستفيد منها سوي أعداء البلاد .

توظف بعض الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية حيث نفوذ اللوبي الأرميني ، توظف العديد من المنظمات العاملة في مجال الديمقراطية والحريات وحقوق الانسان بشكل سياسي ، حتي أصبحت كثيراً من تلك المنظمات الواقعة تحت هيمنة اللوبي الأرميني آلية للضغط السياسي بشكل مباشر ، ولذلك فإن هذه الدول الغربية التي تتغني بالديمقراطية وحقوق الإنسان تتبع معايير مزوجة في تعاملاتها مع الدول الأخري بما يتناسب مع مصالحها وأهدافها ، حيث تتعارض تلك المصالح في كثير من الأحيان مع المصالح الوطنية ، ففي الوقت الذي تغض فيه تلك المنظمات الطرف عن التجاوزات الجسيمة في مجال الديمقراطية وحقوق الانسان في بعض الدول ، فإنها تقوم بالتهويل من بعض الأمور السطحية والبسيطة وربما التي لم تحدث من الأساس في بعض الدول الأخري ، من أجل الابتزاز والضغط السياسي بحسب مصالحها ومصالح قوي الضغط التابعة الواقعة تحت تأثيرها .

أجريت الانتخابات في أذربيجان في جو من الشفافية والنزاهة وكانت امتحانا جديدا لنضوج الديمقراطية الأذربيجانية الشابة التي بدأت مع تولي الرئيس الراحل حيدر علييف السلطة في البلاد باجماع شعبي غير مسبوق . وكما عبر عنها المراقبين الدوليين ، فقد كانت هذه الانتخابات خطوة هامة أخرى إلى الأمام على مسار التطور الديمقراطى فى أذربيجان ، رغم التحديات التي تواجهها ، والصعاب التي تعترضها ، فإنها ماضية بغية تحقيق طموحات شعب أذربيجان الكبري في تحرير كامل تراب البلاد من المحتل الأرميني ، واستمرار مسيرة البلاد في التقدم والازدهار وتحقيق أعلي مستويات من الرفاهية والعزة والكرامة .





كاتب وباحث في الشئون الآسيوية

Follow us on Twitter @TRENDNewsAgency