لقاء قازان وضياع فرصة أخري للسلام

صور: لقاء قازان وضياع فرصة أخري للسلام / وجه النظر

اذربيجان ، باكو وكالة تــرنــد، - بقلم : أحمد عبده طرابيك - علي هامش مؤتمر الثمانية الكبار G 8 " فرنسا ، روسيا ، الولايات المتحدة ، اليابان ، بريطانيا ، كندا ، ألمانيا ، إيطاليا " ، التي عقدت في دوفيل 26 مايو 2011 ، أرسل رؤساء الدول الثلاث أعضاء مجموعة منسك المنبثقة عن منظمة الأمن والتعاون الأوروبي ، والمعنية بتسوية النزاع في قره باغ الجبلية " فرنسا ، الولايات المتحدة ، روسيا " أرسلوا برسالة إلي طرفي النزاع " أذربيجان وأرمينيا " يوصيان فيها الطرفين علي تقديم تنازلات من أجل الوصول إلي تسوية تلك القضية التي طال أمدها .

وقد جاءت قمة قازان عاصمة تتارستان " تقع عند ملتقي نهري الفولجا واكازانكا في روسيا " بين الرئيسين الأذربيجاني إلهام علييف ، والأرمني سيرج سركيسيان ، وبحضور الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف في 24 يونية 2011 ، لتنهي الجولة الثانية عشر من المفاوضات بين ارمينيا وأذربيجان خلال السنوات الثلاث الأخيرة دون التوصل إلي أي تقدم ملحوظ في هذا إيجاد حل لهذا الصراع ، وقد ألقي كل طرف بمسئولية فشل المفاوضات علي الطرف الآخر ، لكن يجب علينا كمراقبين للأحداث أن نكون علي مسافة واحدة ، وأن ننظر إلي ما يحدث من المنظور الطبيعي ، وليس من المنصف أن تكون الاتهامات المتبادلة بالمسئولية عن فشل المفاوضات متساوية ، فالإنصاف يقتضي أن يكون الطرف المتسبب في عدم تحقيق تقدم في طريق الحل ، هو الطرف المغالي في مطالبه ولا يريد تقديم أي تنازلات ، أو هو الطرف المستفيد من بقاء الوضع كما هو عليه حاليا .

فالطرف الذي يحتل أراضي دولة أخري ، وبقاء وضع الاحتلال مدة أطول يحقق له كثير من الفوائد ، منها الحرب النفسية التي يمارسها علي الطرف الذي تخضع أراضيه للاحتلال ، وتشريد سكانه بعيدا عن أراضيهم وبيوتهم وأوطانهم ، كما أن الطرف المحتل يحقق منافع لحسابه الشخصي للتغطية علي مشكلات داخلية مع شعبه أو مع معارضيه السياسيين ، وكذلك يستفيد الطرف المحتل من إطالة أمد الاحتلال بتغيير كثير من العوامل علي الأرض لصالحه ، منها التاريخية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية والتركيبة السكانية للأراضي الخاضعة للاحتلال ، وكلما طال زمن الاحتلال كلما تم تكريس تلك العوامل علي الأرض من وجهة نظر المحتل ، لذلك فهو يسعي دائما لإجهاض أي محاولات للحل السلمي ، ويحاول إطالة أمد الاحتلال كلما تمكن من ذلك .

ما آل إليه اجتماع قازان من فشل سوف يتكرر في كل اللقاءات إذا ماظلت الأفكار والمواقف دون تغيير ، فأرمينيا التي تصر علي انتزاع " تقرير المصير وانفصال إقليم قره باغ " عن أذربيجان ، دون مراعاة لوحدة أراضي دولة مستقلة وذات سيادة علي كامل ترابها ، ودون مراعاة للحقوق التاريخية والجغرافية لشعب عاش قرون عديدة من الزمان في نسيج واحد لا يعرفون الاختلافات المذهبية ولا العرقية إلا ما ظهر منها بسبب الأطماع السياسية خلال السنوات الأخيرة .

الرئيس الأرمني سيرج سركيسيان قال في تصريح له قبيل قمة قازان : " إن التقدم الذي تم إحرازه خلال العقود الماضية سيضيع إذا لم تعترف أذربيجان بحق تقرير المصير ، كيف يمكن إقامة عشر دول جديدة من دول أخري خلال العقود الأخيرة ؟ " فإذا كان الرئيس سركيسيان يبرر انفصال قره باغ إلي انفصال عشر دول خلال الفترة الماضية ، فهل منطق الانفصال يستند إلي انفصال دول أخري تختلف في الظروف السياسية والتاريخية والجغرافية والعرقية ؟

إذا كانت أرمينيا تبحث عن ذرائع لانفصال قره باغ فيجب أن تكون تلك الذرائع والأسباب مستندة إلي منطق مقبول ، فليس من المنطقي أن يكون انفصال جنوب السودان عن شماله ، أو انفصال جمهوريتي التشيك والسلوفاك ، أو انفصال جمهوريات الاتحاد اليوغسلافي أو اتحاد الجمهوريات السوفيتية التي كانت أرمينيا وأذربجان أعضاء ، هو المعيار لانفصال كل أقاليم العالم عن الدول التي ينتمون إليها ، فالجميع يعرف أن شمال السودان وجنوبه يختلفان في كثير من المقومات الجغرافية والتاريخية والسكانية والعرقية والدينية ، بالإضافة إلي المساحة الكبيرة التي يشغلها كل جزء منهما ، ومن ثم فلكل إقليم خصائصه التي تمكنه من أن يكون دولة مستقلة عن الأخري ، كذلك الحال في جميع الدول سالفة الذكر وغيرها والتي انفصلت واستقلت ، فكل منها لها ظروفها الخاصة التي تمكنها أن تكون دولة مستقلة .

وإذا كان الرئيس سركيسيان يتحدث عن نماذج الانفصال للأقاليم والدول كمعيار للسلام والاستقرار ، فلماذا لم يتحدث عن نماذج التعاون والاتحاد بين دول مستقلة سعت للوحدة والاندماج ، مثلما فعلت الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية وشكلا دولة واحدة ، وكذلك الوحدة بين شطري ألمانيا في مطلع التسعينيات من القرن الماضي ، وغيرهما من النماذج ، رغم أنها كانت دولا مستقلة وذات سيادة ، وهي التي سعت للوحدة والاندماج طواعية من أجل السلام والاستقرار والازدهار .

رغم ذلك لا يمكن أن نجعل من الاتحاد والاندماج ، أو الانفصال هو النموذج أو المعيار لحل مشكلة قره باغ ، لأن الوضع مختلف تماما ، فإقليم قره باغ هو جزء من دولة مستقلة ذات سيادة احتلته قوات عسكرية من دولة أخري ، ولا يمكن تصور أي حل سوي انسحاب تلك القوات المحتلة من الأراضي التي احتلتها ، وذلك حسب القوانين والقرارات وكذلك الأعراف المتفق عليها في القانون الدولي ، وأن ما يحدث في الإقليم من خلافات بين سكان قره باغ وحكومة أذربيجان يظل شأنا داخليا خاص بجمهورية أذربيجان ، وهي الوحيدة المعنية بإيجاد حل لمشكلة سكانها الذين يعيشون علي أراضيها ، مثلما يكون لهم الحق علي الدولة التي ينتمون إليها توفير الحماية والأمان لهم من أي اعتداء خارجي يهددهم .

يبدو أن التصريحات التي يطلقها الرئيس الأرمني سيرج سركيسيان تعبر عن عقيدة راسخة بداخله ، وعن سياسة ثابتة لدي الدولة الأرمينية بأن جمود الوضع علي ما هو عليه سيظل الحل الأمثل في السياسة الأرمينية ، ففي 22 يونيو 2011 وقبيل لقاء قازان بيومين قال الرئيس سركيسيان خلال كلمة ألقاها في المؤتمر البرلماني للمجلس الأوروبي : " أنه يمكن الوصول إلي تقدم في المفاوضات في حالة عدم تقدم أذربيجان بمقترحات جديدة " ، وذلك يعني اعترافا ضمنيا بأن أذربيجان لديها الكثير من المرونة ، بتقديم مقترحات وأفكار جديدة لتحريك الجمود الواقع في العملية السلمية ، وأن الطرف الأرمني لديه مواقف ثابتة وجامدة لا يريد التحرك عنها وهي استمرار احتلال أراضي قره باغ ، فكما هو معروف في أي مفاوضات تتم بين طرفين هو السعي لتقديم أفكار ومقترحات جديدة من أجل زيادة مساحة الحوار ، وتعدد الخيارات بين المتفاوضين ، حتي يمكن للراعي أو الوسيط في المفاوضات التقريب بين وجهات النظر المطروحة بحيث يقدم كل طرف من طرفي التفاوض تنازلات متقاربة ، وليس من المنطقي أن يتنازل طرف عن كل شئ ، ولا يتنازل الطرف الآخر عن لا شئ .

إقليم قره باغ يقع ضمن منطقة حيوية وهامة ، والدول الأوروبية لها مصالح كبيرة في تلك المنطقة ، فمنها وخلالها تحصل أوروبا علي معظم احتياجاتها من الغاز الطبيعي ، ولا يمكن للدول الأوروبية أن تضحي بتلك المصالح ، فإذا كان اللوبي الأرمني في بعض الدول الأوروبية يضغط علي صانعي القرار فيها من أجل استمرار وتكريس سياسة الأمر الواقع ، فإن ذلك سيؤدي بالطبع مع مرور الوقت إلي نفاذ صبر أذربيجان ، ولن ترضي أن يظل خمس أراضيها تحت الاحتلال وحوالي مليون من مواطنيها مهجرون ، يعيشون في ظروف قاسية ، وإذا كان السلام متاحا الآن فربما لا يكون متاحا في المستقبل .

Follow us on Twitter @TRENDNewsAgency